وكان مما اعترض به أيضًا أن ذكر قول الله تعالى ( أم السماء بناها . رفع سمكها فسواها . وأغطش ليلها وأخرج ضحاها . والأرض بعد ذلك دحاها . أخرج منها ماءها ومرعاها . والجبال أرساها ) [النازعات 27ـ32] . قال: فذكر في هذه الآية أن دحو الأرض وإخراج الماء والمرعى منها كان بعد رفع سمك السماء وبعد بنائها وتسويتها وإحكام ليلها ونهارها ، ثم قال في آية أخرى: ( هو الذى خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ، وهو بكل شىء عليم ) [البقرة 29] . قال: فذكر في هذه الآية ضد ما في الأولى ، وذلك أن هذه التسوية للسماء كانت بعد خلق ما في الأرض .
قال أبو محمد: والقول في هذا كالقول في التى قبلها ، ولا فرق ، وهو أن بظاهر هاتين الآيتين يُكتفى عن تطلب تأويل أو تكلف مخرج .
وهو أنه تعالى ذكر في الآية التى تلونا أولًا أنه عز وجل بنى السماء ، ورفع سمكها ، وأحكم الدور الذى به يظهر الليل والنهار ، وأنه بعد ذلك أخرج ماء الأرض ومرعاها ، وأرسى الجبال فيها . وذكر تعالى في الآية الأخرى أن تسويته تعالى السموات سبعًا وتفريقه بين تلك الطوائف السبع التى هى مدار الكواكب المتحيرة والقمر والشمس كان بعد خلقه كل ما في الأرض .
فلم يفرق هذا الجاهل المائق بين قوله تعالى: إنه سوى السماء ورفع سمكها ، وبين قوله تعالى: إنه سواهن سبع سموات .
فهل بعد هذا العمى عمى ؟ وبعد هذا الجهل جهل ؟
وإنما أخبر تعالى أن تسوية السماء جملة واختراعها كان قبل دحو الأرض ، وأن دحوه الأرض كان قبل أن تقسم السماء على طرائق الكواكب السبع ، فلاح أن الآيتين متفقتان ، يصدق بعضهما بعضًا .