ولكن لو تذكر هذا المائق الجاهل ما يقرأونه في كفرهم المبدل ، وإفكهم المحرف ، بأخرق تحريف ، وأنتن معان ، حاشا ما خذلهم الله تعالى في تركه على وجهه ليبدى فضائحهم ، فأبقوه تخبيثًا من الله تعالى لهم ليكون حجة عليهم ، من ذكر عيسى ومحمد ـ صلى الله عليهما وسلم ـ في كتابهم الذى يسمونه ( التوراة ) ، إذ يقولون فيه في السفر الرابع عن موسى ـ صلى الله عليه ـ أنه قال مخاطبًا لله عز وجل:"يا رب ، كما حلفت قائلًا: الرب وديع ذو حن عظيم ، يعفو عن الذنب والسيئة ، وليس ينسى شيئًا من المآثم ، الذى يعاقب بذنب الوالد الولد في الدرجة الثانية والرابعة".. ويقرأون فيه أيضًا في أول السفر الأول:"إن قاين بن آدم عاقبه الله في السابع من ولده".. ثم يقرأون في الكتاب المذكور نفسه في السفر الخامس منه:"إن الله تبارك وتعالى قال لموسى: لا تقتل الآباء لأجل الأبناء ، ولا الأبناء لأجل الآباء ، ألا كل واحد يقتل بذنبه".
فلو تفكر هذا الجاهل المائق وعظيم التناقض ، لشغله عظيم مصابه عن أن يظن بقول الله تعالى الذى هو الحق الواضح الواحد غير المختلف: ( قل كل من عند الله ، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا . ما أصابك من حسنة فمن الله ، وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) وهذا ما بيناه كما مر آنفًا أنه لا مجاز للتناقض فيه أصلًا .
وإنما التناقض المحض ما نسبوا إلى موسى ـ عليه السلام ـ من أنه قدر بربه أن يغفر الذنب لفاعله ، ويعاقب بذلك الذنب من كان من ولد المذنب في الدرجة الرابعة ، ثم يقول في مكان آخر ، ألا تقتل الأبناء لأجل الآباء ، ولا الآباء لأجل الأبناء ، هذا مع إقرارهم بأنه ليس في التوراة ذكر عذاب ولا جزاء بعد الموت أصلًا ، وإنما فيها الجزاء بالثواب والعقاب في الدنيا فقط ، فهذا هو التناقض المجرد الذى لا خفاء به ، وبالله تعالى التوفيق .
الفصل الثاني