الصفحة 38 من 62

وأجمعت الأمة على أن الرد والتحاكم بعده يكون إلى سنته ففي هذه الآيات أعظم برهان على تحريم مخالفته، ومنع الاستبدال بسنته، فانظر كيف حذر الذين يخالفون عن أمره بالفتنة وهي الشرك أو الزيغ، وبالعذاب الأليم، وكيف أقسم على نفي الإيمان عنهم حتى يحكموه في كل نزاع يحدث بينهم، ويسلموا لقضائه، ولا يبقى في نفوسهم أي حرج أو تعنت مما قضى به بينهم، وكفى بذلك وعيدا وتهديدا لمن ترك سنته بعد معرفة حكمها تهاونا واستخفافا، واعتاض عنها بالعادات والآراء والقوانين الوضعية ونحوها.

الأمر السابع:"الاقتصاد والتوسط في حقه صلى الله عليه وسلم":

جرت سنة الله في خلقه بوقوع الإفراط أو التفريط، وأن كل أمة يقع منهم في الغالب غلو أو تقصير؛ لذلك حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته المتبعين له من الغلو في حقه وإعطائه شيئا من خالص حق الله تعالى، ويتبين ذلك بما يأتي:

أولا: أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يخرج عن كونه بشرا:

قال الله تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ } [ سورة الكهف، الآية: 110 ] فبين أنه اختص بالوحي إليه فقط.

وقال تعالى: { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا } [ سورة الإسراء، الآية: 93 ] وذلك لما طلب منه المشركون أن يفجر الأرض، أو يسقط السماء عليهم كسفا.. إلخ، فبين لهم أن الذي يملك ذلك هو ربه وحده ، فأما هو فإنما تميز بالرسالة التي حمله الله إياها.

وقد حكى الله عن الأمم السابقة طعنهم في رسالة الرسل بأنهم بشر، كما في قوله تعالى عن قوم هود أو صالح: { مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ *وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ } [ سورة المؤمنون، الآية: 33 ـ 34 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت