فإن الأنبياء أولى بهذه الحياة، ومعلوم أن الشهداء قد خرجوا من هذه الحياة الدنيا، وقد قسمت أموالهم بين الورثة، وحلت نساؤهم لغيرهم، فكان ذلك أوضح دليل على موتهم ، ولكن الله تعالى نهى أن نقول لهم أموات في قوله -عز وجل-: { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } [ سورة البقرة، الآية: 154 ] .
وهذه الحياة لا نعلم كيفيتها إلا أنا نتحقق أن أرواحهم خرجت من أبدانهم، وأن أعمارهم انقضت، وأعمالهم قد ختمت، وقد فسرت حياتهم في الحديث الصحيح بأن أرواحهم جعلت في أجواف طير خضر تعلق في شجر الجنة [1] . وهذا يحقق أنها قد فارقت أبدانهم، وإنما تميزوا بهذه الحياة الخاصة.
ومعلوم أن الأنبياء والرسل أولى بهذه الحياة وبكل حال فإنها لا تمكنهم من إجابة من دعاهم، أو إعطاء من سألهم، فنحن نعتقد أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في حياة برزخية، أكمل من حياة الشهداء، وقد تميز بحماية جسده عن البلى، كما ثبت في سنن أبي داود عن أوس بن أوس عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"إن من خير أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا من الصلاة علي فيه، فإن صلاتكم معروضة علي قالوا: يا رسول الله، كيف تعرض عليك وقد أرمت؟ قال: الله حرم على الأرض أن تأكل أجسام الأنبياء" [2] وهذا أوضح دليل على أن روحه قد خرجت من جسده، ورفعت إلى الرفيق الأعلى، كما كانت ذلك آخر طلبه من الدنيا.
وكذا قد ورد في الحديث: عن أبي هريرة قوله -صلى الله عليه وسلم-:"ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام"رواه أبو داود [3] .
(1) رواه مسلم: برقم (1887) ، في الإمارة، باب بيان أن أرواهح الشهداء في الجنة... إلخ عن ابن مسعود رضي الله عنه.
(2) رواه أبو داود برقم: (1047) ، في الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة.
(3) رواه أبو داود برقم: (2041) ، في المناسك، باب زيارة القبور.