وفي المعنى أحاديث كثيرة تفيد أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- كان يكتفي من أهل زمانه بهاتين الشهادتين، وأن من أتى بهما وعمل بمدلولهما، والتزم بما تستلزمه كل منهما من الطاعة لله ورسوله وجميع أنواع العبادة؛ فيوحد الله - عز وجل- ويتخلى عن العادات الشركية، ويأخذ ذلك من معنى قوله لا إله إلا الله، كما يلتزم طاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واتباعه بمجرد قوله: محمد رسول الله، وما ذاك إلا أن القوم إذ ذاك كانوا عربا فصحاء يعرفون ويفهمون معنى الشهادة، ومعنى الإله ، وما في هذه الكلمة من النفي والإثبات، فلا جرم اقتصر على تلقينهم هذه الكلمة؛ وذلك أن من شرط نجاة من تلفظ بهذه الشهادة أن يكون عالما بمعناها، عاملا بمقتضاها ظاهرا وباطنا، قال الله -تعالى-: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ } [ سورة مُحمَّد، الآية: 19 ] وقال - عز وجل-: { إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ سورة الزخرف، الآية: 86 ] ونحو ذلك من الآيات التي تبين أنه يشترط العلم بمعناها، وعلى هذا فيجب الكف عن من أتى بالشهادتين ظاهرا من المشركين، ويحقن بذلك دمه حتى يختبر وينظر في أمره بعد ذلك؛ فإن استقام على الدين والتزم بالتوحيد، وعمل بتعاليم الإسلام، فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، وإن خالف مقتضى ما شهد به، أو ترك بعض ما كلف به جحدا وإنكارا، أو استباح المحرمات المعلوم بالضرورة تحريمها، لم تعصمه هذه الكلمة.