فهرس الكتاب
30 حضور التصوّر زائدا على حسن التصوّر، و العلم. فهذه تسعة شروط في المؤرّخ. و أصعبها الاطّلاع على حال الشخص في العلم؛ فإنه يحتاج إلى المشاركة في علمه، و القرب منه حتى يعرف مرتبته. انتهى.
ثم ذكر أنّ كتابته لهذه الشروط بعد أن وقف على كلام ابن معين في الشافعىّ، و قول أحمد ابن حنبل: إنه لا يعرف الشافعىّ، و لا يعرف ما يقول.
قلت: و ما أحسن قوله «و لما عساه/يطوّل في التراجم من المنقول 1، و يقصّر» فإنه أشار به إلى فائدة جليلة، يغفل عنها كثيرون؛ و يحترز منها الموفّقون، و هى تطويل التراجم و تقصيرها؛ فربّ محتاط لنفسه لا يذكر إلاّ ما وجده منقولا، ثم يأتى إلى من يبغضه فينقل جميع ما ذكر من مذامّه، و يحذف كثيرا ممّا نقل من ممادحه، و يجئ إلى من يحبّه فيعكس الحال فيه، يظنّ المسكين أنه لم يأت بذنب؛ لأنه ليس يجب عليه تطويل ترجمة أحد و لا استيفاء ما ذكر من ممادحه، و ما 2 يظنّ المغترّ أن تقصيره لترجمته بهذه النّيّة استزراء به، و خيانة للّه، و لرسوله صلّى اللّه عليه و سلم، و للمؤمنين، في تأدية ما قيل في حقّه؛ من مدح و ذمّ، فهو كمن يذكر بين يديه بعض الناس فيقول: دعونا منه، أو: إنه عجيب، أو: اللّه يصلحه. فيظنّ أنه لم يغتبه بشاء من ذلك، و ما يظن أن ذلك من أقبح الغيبة.
و لقد وقفت في «تاريخ الذهبىّ» على ترجمة الشيخ الموفّق ابن قدامة الحنبلىّ، و الشيخ فخر الدّين ابن عساكر، و قد أطال تلك، و قصّر هذه، و أتى بما لا يشكّ الثّبت أنه لم يحمله على ذلك إلاّ أنّ هذا أشعرىّ، و ذلك حنبلىّ، و سيقفون بين يدى ربّ العالمين.
و كذلك ما أحسن قول الشيخ الإمام: «و أن لا يغلبه الهوى» ؛ فإن الهوى غلاّب إلاّ من عصمه اللّه تعالى.
و قوله: «فإمّا أن يتجرّد عن الهوى، أو يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه» عندنا فيه زيادة، فنقول: قد لا يتجرّد من الهوى، و لكنه لا يظنّه هوى، بل يظنّه لجهله، أو لبدعته حقّا؛ و لذلك لا يتطلّب ما يقهر به هواه؛ لأن المستقرّ في ذهنه أنه محقّ، و هذا كما يفعل كثير من
1)فى طبقات الشافعية: «النقول» .
2)فى طبقات الشافعية: «و لا يظن» .