2 -أخبرنا أبو العباس أحمد بن زكريا النسوي، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، وأخبرنا أبو الحسن أحمد بن علي بن إبراهيم بن أحمد بن فراس، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن نافع الخزاعي، قالا: حدثنا أبو محمد إسحاق بن محمد، قال: حدثنا أبو الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي، قال: حدثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ، مولى بني قيس بن ثعلبة، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ بَكْرِ بْنِ بَكَّارٍ (ق9ب) قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ الرَّبَعِيُّ مَوْلَى قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا ظَفِرَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ - واسمه النعمان بن قيس - بِالْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ، أَتَاهُ وُفُودُ الْعَرَبِ وَأَشْرَافُهَا وَشُعَرَاؤُهَا لِتُهَنِّئَهُ وَتَمْدَحَهُ، وَتَذْكُرَ مَا كَانَ مِنْ بَلاَئِهِ وَطَلَبِهِ بِثَأْرِ قَوْمِهِ، فَأَتَاهُ وَفْدُ قُرَيْشٍ وَفِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ، وَخُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدٍ، فِي أنَاسٍ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَتَوْهُ بِصَنْعَاءَ وَهُوَ فِي قَصْرٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ غُمْدَانُ، وَهُوَ الَّذِي ذكره أمية بن أبي الصلت في قصيدته، ويقال: هو أَبُو الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ والد أُمَيَّةَ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
اشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْكَ التَّاجُ مُرْتَفِعًا ... فِي رَأْسِ غُمْدَانَ دَارًا مِنْكَ مِحْلاَلاَ
فَالْتَطَّ بِالْمِسْكِ إِذْ شَالَتْ نَعَامَتُهُمْ ... وَأَسْبِلِ الْيَوْمَ فِي بُرْدَيْكَ إِسْبَالاَ
لاَ تَطْلُبِ الثَّأْرَ إِلاَّ كَابْنِ ذِي يَزَنٍ ... خَيَّمَ فِي الْبَحْرِ لِلأَعْدَاءِ أَحْوَالاَ
تِلْكَ الْمَكَارِمُ لاَ قُعْبَانَ مِنْ لَبَنٍ ... شِيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالاَ
فَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَإِذَا الْمَلِكُ مُتَضَمِّخٌ بِالْعَنْبَرِ، وَوَمِيضُ الْمِسْكِ مِنْ مَفْرِقِهِ، سَيْفُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ، فَدَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَاسْتَأْذَنَ فِي الْكَلاَمِ، فَقَالَ لَهُ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ: إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُلُوكِ فَقَدْ أَذِنَّا لَكَ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَحَلَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مَحِلًّا رَفِيعًا مَنِيعًا شَامِخًا بَاذِخًا، وَأَنْبَتَكَ نَبَاتًا طَابَتْ أَرُومَتُهُ، وَعَزّتْ جُرثُومَتُهُ، وَثَبَتَ أَصْلُهُ وَبَسَقَ فَرْعُهُ، فِي أَكْرَمِ مَعْدِنٍ، وَأَطْيَبِ مَوْطِنٍ، وَأَنْتَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ رَأْسُ الْعَرَبِ، وَرَبِيعُهَا الَّذِي تُخْصَبُ بِهِ، وَأَنْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ رَأْسُ الْعَرَبِ الَّذِي لَهُ تَنْقَادُ، وَعَمُودُهَا الَّذِي عَلَيْهِ الْعِمَادُ، وَمَعْقِلُهَا الَّذِي تَلْجَأُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ، سَلَفُكَ خَيْرُ سَلَفٍ، وَأَنْتَ لَنَا مِنْهُمْ خَيْرُ خَلَفٍ. فَلَنْ يَخْمَدْ ذِكْرُ مَنْ أَنْتَ سَلَفُهُ وَلَنْ يَهْلِكَ مَنْ أَنْتَ خَلَفُهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ، نَحْنُ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ وَسَدَنَةُ بَيْتِهِ، أَشْخَصَنَا إِلَيْكَ الَّذِي أَبْهَجَنَا لِكَشْفِكَ الْكَرْبَ الَّذِي فَدَحَنَا، فَنَحْنُ وَفْدُ التَّهْنِئَةِ لاَ وَفْدُ الْمُرْزِئَةِ. قَالَ: وَأَيُّهُمْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُتَكَلِّمُ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. قَالَ: ابْنُ أُخْتِنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ادْنُ. فَأَدْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، وَنَاقَةً وَرَحْلًا، وَمُسْتَنَاخًا سَهْلًا، وَمَلِكًا رِبَحْلًا، يُعْطِي عَطَاءً جَزْلًا، قَدْ سَمِعَ الْمَلِكُ مَقَالَتَكُمْ، وَعَرَفَ قَرَابَتَكُمْ، وَقَبِلَ (ق10أ) وَسِيلَتَكُمْ، فَأَنْتُمْ أَهْلُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَلَكُمُ الْكَرَامَةُ مَا أَقَمْتُمْ، وَالْحِبَاءُ إِذَا ظَعَنْتُمْ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: انْهَضُوا إِلَى دَارِ الضِّيَافَةِ وَالْوُفُودِ. فَأَقَامُوا شَهْرًا لاَ يَصِلُونَ إِلَيْهِ وَلاَ يَأْذَنُ لَهُمْ فِي الِانْصِرَافِ. قَالَ: وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الأَنْزَالَ، ثُمَّ انْتَبَهَ لَهُمُ انْتِبَاهَةً، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَدْنَاهُ وَأَخْلَى مَجْلِسَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي مُفَوِّضٌ إِلَيْكَ مِنْ سِرِّ عِلْمِي أَمْرًا، لَوْ كان غَيْرُكَ لَمْ أَبُحْ بِهِ لَهُ، وَلَكِنِّي وَجَدْتُكَ مَعْدِنَهُ؛ فَأَطْلَعْتُكَ طَلْعَهُ، وَلْيَكُنْ عِنْدَكَ مَطْوِيًّا حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ عز وجل فِيهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جل جلاله بَالِغٌ فِيهِ أَمْرَهُ، إِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ، وَالْعِلْمِ الْمَخْزُونِ، الَّذِي اخْتَرْنَاهُ لِأَنْفُسِنَا، وَاحْتَجَنَّاهُ دُونَ غَيْرِنَا، خَبَرًا جَسِيمًا، وَخَطَرًا عَظِيمًا، فِيهِ شَرَفٌ لِلْحَيَاةِ، وَفَضِيلَةٌ لِلنَّاسِ عَامَّةً، وَلِرَهْطِكَ كَافَّةً، وَلَكَ خَاصَّةً. قَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، مِثْلُكَ سَرَّ وَبَرَّ، فَمَا هُوَ؟ فِدَاكَ أَهْلُ الْوَبَرِ وَالْمَدَرِ، زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ. قَالَ: فَإِذَا وُلِدَ بِتِهَامَةَ، غُلاَمٌ بِهِ عَلاَمَةٌ، كَانَتْ لَهُ الإِمَامَةُ، وَلَكُمْ بِهِ الزِّعَامَةُ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ، لَقَدْ أَتَيْتَ بِخَبَرٍ مَا آبَ بِمِثْلِهِ وَافِدُ قَوْمٍ، وَلَوْلاَ هَيْبَةُ الْمَلِكِ وَإِعْظَامُهُ وَإِجْلاَلُهُ، لَسَأَلْتُهُ مِنْ بشارته مَا أَزْدَادُ بِهِ سُرُورًا، فَإِنْ رَأَى الْمَلِكُ أَنْ يُخْبِرَنِي بِإِفْصَاحٍ، فَقَدْ أَوْضَحَ لِي بَعْضَ الإِيضَاحِ. قَالَ: هَذَا حِينُهُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ، أَوْ قَدْ وُلِدَ، اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةٌ، يَمُوتُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ، وَيَكْفُلُهُ جَدُّهُ وَعَمُّهُ، وَقَدْ وَجَدْنَاهُ مِرَارًا، وَاللَّهُ بَاعِثُهُ جِهَارًا، وَجَاعِلٌ لَهُ مِنَّا أَنْصَارًا، يُعِزُّ بِهِمْ أَوْلِيَاءَهُ، وَيُذِلَّ بِهِمْ أَعْدَاءَهُ، وَيَضْرِبُ بِهِمُ النَّاسَ عِنْ عَرَضٍ، وَيَسْتَبِيحُ بِهِمْ كَرَائِمَ الأَرْضِ، يَعْبُدُ الرَّحْمَنَ، وَيَدْحَرُ الشَّيْطَانَ، وَيَكْسِرُ الأَوْثَانَ، وَيُخْمِدُ النِّيرَانَ، قَوْلُهُ فَصْلٌ، وَحُكْمُهُ عَدْلٌ، يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَفْعَلُهُ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُبْطِلُهُ. قَالَ: فَخَرَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَاجِدًا، فَقَالَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، ثَلَجَ صَدْرُكَ، وَعَلاَ كَعْبُكَ، فَهَلْ أَحْسَسْتَ مِنْ علمه شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ، كَانَ لِي ابْنٌ، وَكُنْتُ بِهِ مُعْجَبًا، وَعَلَيْهِ رَفِيقًا، فَزَوَّجْتُهُ كَرِيمَةٌ مِنْ كَرَائِمِ قَوْمِهِ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، فَجَاءَتْ بِغُلاَمٍ سَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا، مَاتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ، وَكَفَلْتُهُ أَنَا وَعَمُّهُ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةٌ، وَفِيهِ كُلُّ مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَلاَمَةٍ. قَالَ لَهُ: وَالْبَيْتِ ذِي الْحُجُبِ، وَالْعَلاَمَاتِ عَلَى النُّصُبِ، إِنَّكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَجَدُّهُ غَيْرَ الْكَذِبِ، وَإِنَّ الَّذِي قُلْتَ لَكَمَا قُلْتُ، فَاحْتَفِظْ بِابْنِكَ، وَاحْذَرْ عَلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ، فَإِنَّهُمْ لَهُ أَعْدَاءٌ، وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلًا، فَاطْوِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ دُونَ هَؤُلاَءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ مَعَكَ، فَإِنِّي لَسْتُ آمَنُ أَنْ تَدْخُلَهُمُ النَّفَاسَةُ، مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ الرِّيَاسَةُ، فَيَبْتَغُونَ لَكَ الْغَوَائلَ، وَيَنْصِبُونَ لَكَ الْحَبَائلَ، وَهُمْ فَاعِلُونَ أَوْ أَبْنَاؤُهُمْ، وَلَوْلاَ أَنَّ الْمَوْتَ مُجْتَاحِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ، لَسِرْتُ بِخَيْلِي (ق10ب) وَرَجِلِي حَتَّى أَصِيرَ بِيَثْرِبَ دَارِ مَمْلَكَتِهِ، فَإِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ النَّاطِقِ، وَالْعِلْمِ السَّابِقِ، أَنَّ بِيَثْرِبَ اسْتِحْكَامَ أَمْرِهِ، وَأَهْلَ نَصْرِهِ، وَمَوْضِعَ قَبْرِهِ، وَلَوْلاَ أَنِّي أَقِيهِ الآفَاتِ، وَأَحْذَرُ عَلَيْهِ الْعَاهَاتِ، لَأَوْطَأْتُ أَسْنَانَ الْعَرَبِ كَعْبَهُ، وَلَأَعْلَيْتُ عَلَى حَدَاثَةِ سِنِّهِ ذِكْرَهُ، وَلَكِنِّي صَارِفٌ ذَلِكَ إِلَيْكَ، عَنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ بِمَنْ مَعَكَ. ثُمَّ أَمَرَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِمِائَةٍ مِنَ الإِبِلِ، وَعَشَرَةِ أَعْبُدٍ، وَعَشْرِ إِمَاءٍ، وَعَشَرَةِ أَرْطَالِ ذَهَبٍ، وَعَشَرَةِ أَرْطَالِ فِضَّةٍ، وَكِرْشٍ مَمْلُوءَةٍ عَنْبَرًا، وَأَمَرَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِعَشَرَةِ أَضْعَافِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ايْتِنِي بِخَبَرِهِ وَمَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ. فَمَاتَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ يَغْبِطْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ بِجَزِيلِ عَطَاءِ الْمَلِكِ؛ فَإِنَّهُ إِلَى نَفَادٍ، وَلَكِنْ لِيَغْبِطْنِي بِمَا يَبْقَى لِي وَلِعَقِبِي شَرَفُهُ وَذِكْرُهُ وَفَخْرُهُ. فَإِذَا قِيلَ لَهُ: وَمَا ذَاكَ؟ يَقُولُ: سَتَعْلَمُنَّ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.