فهرس الكتاب
زد على هذا ما انتشب فيه أخوك من جديد من ألم الغربة، ومرارات العيش، في بويت أحرج من صدر الحزين، كأنه حجر ضب تفتك الهوام والوخم بالساكن فيه، فلا هواء ولا شمس ولا كهرباء فكأنه سجن من السجون التي تذكر في القرون الوسطى، أو ليس أن السكنى في مثل هذا الناووس مجلبة لبذور السل أعاذنا الله، وأعجب من هذا إن هذا الرمس على عفونته وضيقه لا يوجد إلا بجريعة الذقن، والسعيد من وجده، لأنه على كل حال أفضل من لا شيء ولكن وجوده كيفما كان، ولا البيات في العراء البارز 361/2
362/2 تحت النجوم، ولهذا الإيلام من يعد مثل هذا الجحر قصرا كقصر أمثالك من المترفين، ولو بليت كما ابتلى ممثلي لأدركت كل هذا غاية الإدراك.
اليوم توصلت برسالتك التي أحيت الموؤود، وأنعشت الفؤاد، فوجدتني مرتطما في فنون شتى، فترسب إلى روح الاستبصار ما أحيا الأمل، ونفي الملل، وأنساني هذا القبر الذي أثوى فيه، كأني جان محكوم عليه بقعر السجون، وبالأشغال الشاقة.
إيه أيها الشاعر إنك تتمتع في شواطئ ( أبي رقراق ) بما تريد، وتتبختر غاديا رائحا في شوارع فيحاء وقت اختلافك إلى مدرستك التي تلقي فيها دروسك كموظف، فأين أنت منا، ونحن هنا في أزقة ضيقة مظلمة ذات هواء مسموم، مائج بالجراثيم، ثم لا نستمتع بأي شيء، فلا نزور لا مولاي يعقوب، ولا سيدي حرازم، أفلا تشكر الله على ما أنت فيه، وتمعن في الاستمتاع بتلك البهجة مادمت تتمتع بصفاء الدهر، وإعراض نوائبه عنك.
تمتع من شميم عرار نجد *** فما بعد العشية من عرار
قرأت في رسالتك ما قرأت، أتكون محفوفا بالظباء السوانح في كل مسرح، وتستهزئ بأخيك؟ أم أنتم أيها الشعراء تعبثون بالناس، وتودون أنتم أن تسلموا من عبث العابثين، أم غركم يا شعراء الرباط ما تونسونه من ضعف الألسنة في ( القرويين ) فعل رسلكم فعما قليل ترون شعراء جددا يحلقون في سمائكم ( وإن غدا لناظره قريب ) .
قال يخاطب أحمد شوقي الدكالي - ينصحه -