فهرس الكتاب
وبعد: فقد برح الشوق، حتى ضاق بي الطوق، وتطاول الفراق، فمتى يوم التلاق ؟ فقد كدت أزور تلك الجهة في الشهر الماضي، لولا أن فاجأ المغرب أرعاد المدافع وأبراق المواضي (1) فرجعت من ( ماسة ) معرجا بإفران حيث الفصاحة والبيان، والبلاغة تتلاعب بها اليدان، فثويت في دار شيخنا علامة العصر، ويتيمة الدهر، فرأيت كيف يحافظ من العلم والأدب والكرم الفياض على ما كنا نخاله قد غاض، فنخوض كرما جما، وأدبا وعلما، فدارت هناك أدبيات كأنها مغازلات، وقواف، كأنما يجول الحبب على ماء صاف، ثم إبت إلى الدار فألقيت عصا التسيار، مكتفيا من الاغتراب، وقانعا من الغنيمة بالإياب، فإن لم تجد الحركة فالسكون، وملازمة الوكون، فإن لم يكن ما تريد فأرد ما يكون إما البلد وإما إليه، فلا زائد على ما يسر القلب، ويهدد الجدب، وعلى ما يملأ بالانشراح كل سرب (2) من طلائع الخصب، فقد توالت أمطار هذه السنة مرارا، فلم ير الجدب الذي كان يألف هذه الجهة حتى صيرهم بلاقع وقفارا إلا أن يزمع الرحيل حين لا يرى لنفسه قرارا، فقد اخضرت الأرض وازينت، وتخلت إلغ وتزينت، فكأني بها بعد أمد قليل، وقد جرت أيام الربيع أذيالها وأخرجت الأرض أثقالها، تتهادى كغانية رداح، لعبت بها الراح وتجاذبها العشاق بالراح:
إن هذا الربيع شيء عجيب *** تضحك الأرض من بكاء السماء
ذهب حيثما ذهبنا ودر *** حيث درنا وفضة في فضاء
وبعد: فقد تلقت اليدان: الرسالة التي أرسلها مولاي في رمضان، رسالة وما أدراك ما الرسالة، اقرأها فكأنما تغازلني منها غزالة، ببيان أرق من السحر الحلال، وأدمث من روض أريض ووفت فيه الظلال، وبلاغة تستوقف الأبصار من أدباء الأمصار، تخلب الأفكار، بالمعاني الأبكار، ينبعث الميت من جزالتها، ويحار الفصحاء من فصاحتها، ويسجد عبد الحميد لبراعتها:
(1) ـ هجوم أمريكا على المغرب ، وذلك مذكور في الرحلة الثانية من ( خلال جزولة )
(2) ـ السرب بالفتح فالسكون: الصدر .