الصفحة 1214 من 9223

رأيت أخبار سيدي أحمد نطالب، ورأيت أنه لا يزال يلتفت إلى القلم ويحرر به ويقصده الناس لذلك وهو مع ذلك يتمتع برياسة نسبية اصطدم بها رؤساء ( إيكلي ) الذين غصوا به، ونفسوا عليه مكانته، ثم رأيت كيف اختتمت حياته، وكيف فتك به أولئك الجبناء الذين لا يقدرون أن يواجهوه في الميدان فمالوا إلى الطعنة وراء الظهر غدرا وختلا، وهل هذه إلا أفعال الجبناء الرعاديد ؟

نفض ابنه محمد الأشكر يده من تراب قبر والده، فمد يده إلى البندقية وعاهدها على أن لا ترجع إلى مستقرها حتى يؤخذ بثأر ذلك المظلوم فوفى بالعهد، وقليل من أمثاله من يفون بمثل هذه العهود ويغسلون العار بإدراك الثأر وهو ينشد بلسان حاله:

سأغسل عني العار بالسيف جالبا *** على قضاء الله ما كان جالبا

انتدب الأشكر ويسانده صِنْوَه الحاج إبراهيم الذي رجع إذ ذاك من المدارس القرآنية، وألقى اليراع، وامتشق الحسام، وأقبل إقبال من جعل نصب عينيه ما جعل. فكان هذا آخر عهد تلك الدار بالأقلام والمحابر ومزاولة العلوم والدفاتر، فجاء عهد البارود والرياسة، وأقبلت الرجولة تحلق في سماوات ( أكني أديان ) بجناحيها المتراصتين بالخوافي والقوادم، فكأنما عهد سيدي أحمد نطالب برزخ، انتقل بسببه ذلك الشعب من الشعب الطلبة المطرقين المساكين إلى شعب الرؤساء الشامخين بأنوف المغاوير فذهب عصر المداد الأسود وجاء عصر الدم الأحمر وانطوى زمن الدواة والقرطاس وانبثق زمن البارود والقرطاس ((1) ) فهكذا تتبدل الأسر وتنقلب من حال إلى حال وذلك كله 123/3

(1) ـ يقصد الناس في المغرب بالقرطاس: حشو البنادق الرومية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت