فهرس الكتاب
ثم ارتحلت إلى قرية ( كادورت ) أسفل منه، ودخلت البلد، وتلقتني جماعة من الأصحاب ببابه، منهم السيد موسى من بني يبورك، والفقير إبراهيم بن إدريس وولده السيد علي، وغيرهم من الأصحاب، بفرح وسرور، كما هو شأنهم في محبة الضيف وأهل العلم والفضل، حتى أن نساءهم يتساقطن علينا بالفرح والزيارة، واستمطار الأدعية، فأقمنا بها ثلاثا بعد امتناعهم من التسريح أو الضيافة فتجولت في أنحاء سواقيهم الكثيفة بالأشجار، الملتفة النخيل، الكثيرة العيون، القليلة الأرض، المكتنفة الجبال الشامخة، وأن اسم هذه القرية كمسماها (1) ، على الحقيقة، إلا أن سكانها من أحب الناس للمكارم والمفاخر من الكرم والجود، والديانة والسكينة والوقار، والانقياد للفضل وأهله، وحكي أن العلامة الإمام محمد بن أحمد الحضيكي المتقدم الذكر خرج في حياته في بعض الابكارات، بقصد التطواف على قري ( أيسي ) واستماع قراءة صبيانها في المكاتب فبدأ بقرية ( كادورت ) ووقف منصتا متفائلا من الصبيان فإذا هم يتلون قوله تعالى ( يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) فتعجب من صدق الفأل، فقال كذلك كنتم يا أهل ( كادورت ) لأنهم من سلالة أبي أيوب الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه كما في موالدهم وعمود نسبهم، ثم هبط مع الوادي إلى عنق الرمال ( أركض إيملالن ) فوقف وسمع الصبيان يتلون آية توافق حالهم، فتعجب من صدق الفأل فيهم، وقال كذلك كنتم، ثم تقدم إلى ( إيمي أيسي ) فسمعهم يتلون آية أخرى توافق حالهم، ثم رجع إلى ( أيت منصور ) ووقف بـ ( تامساوت ) فسمع صبيانهم يتلون ( لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ) فتعجب من صدق الفألات على الجميع، فانصرف راجعا إلى زاويته ( أفيلال ) وكذلك كانت أخلاق هذه البلدان إلى الآن جودا وبخلا ووسطا، فأهل (
(1) يريد أنها ضيقة كالقدر، لأن كادورت تشليح لكلمة قدر بكسر القاف.