فهرس الكتاب
359/3 ويبنون له حتى يفرغ ويمونهم غداء وعشاء وعكبية (1) فقط، بالعصيدة أو الكسكس أو الخبز بالإدام، إلى هذا العهد القريب، فجعلوا يبنون بالأجرة التافهة (2) إلى أن كان عصرنا هذا في أول هذه المائة الرابعة عشرة ثم تفاقم الأمر على نحو ما ذكرنا، وصار الناس يبنون بما ذكر آنفا وزيادة المئونة أربع مرات في اليوم، وهي الفطور على مائدة مشتملة على خبز وخمسة أنواع الإدام سمن وزيت هرجان وعسل ومطحون لوز ( أملو ) وطاجن لحم مطبوخ طبخا جيدا، ثم في الساعة الحادية عشرة يوضع لهم الغداء وهو الدشيش باللحم والبيض والسمن، ثم بعد صلاة الظهر يقدم لهم ما تقدم في الفطور، ثم في العشاء يقدم لهم مثل ما تقدم في الغداء، مع عمل الأتاي في الكل وغيره من الفواكه، فانظر قيمة هذه النفقة في هذا الغلاء الذي يباع فيه الشعير بفرنك 105 للصاع والسكر بـ 70 فرنكا للكيلو، والزيت والسمن والعسل بـ 70 فرنكا، تجد قيمة مواد يوم للبناء الواحد 100 فرنك بله أكثر من البناء الواحد فما ظنك بما كثر من الإجارة، أمر لم يعهد مثله فيما سمعنا، وذلك كله في حدود الثلاثين، إلى حدود الخمسين في المائة الرابعة عشرة، ثم زاد الأمر وصار الناس يغبط بعضهم بعضا في ذلك، بحيث أن من لم يشتغل بالبناء للدار يعد عندهم صعلوكا فقيرا، ولا يملك نقيرا، وانهمك الناس في كسر الصخور للبناء بها، حتى صارت الجبال الصغيرة دكا دكا، إلى أن وقع الاحتلال في جبال جزولة عام 1352هواحتلت بلاد ( أملن ) و ( أمانوز ) وما حولها، وخيمت قواته في ( أربعاء
(1) أراد بالعكبية بضم العين، وكاف معقودة: ما يوكل بين الغداء والعشاء واسمه العربي الهجوري بفتح الهاء.
(2) أقول: أدركت في إلغ أن الحصاد والسقي إنما يكونان بالتعاون لا بالأجرة، وإنما على المعمول له أن يقوم بالمئونة المناسبة لبساطة طبيعة البلد، ثم تغير ذلك حتى لا يجد الإنسان اليوم من يعينه إلا بأجرة يومية بنحو 300 فرنك، ونحن في 1378 هـ.