الصفحة 1582 من 9223

وفي نحو عاشر رمضان (1) من العام نفسه دخل مراكش كما تقدم، وتقدم إلى دار المخزن، وفيها خليفة السلطان المولى عبد الحفيظ بن الحسن وهو أخوه صاحبنا في الله المولى أبو بكر بن الحسن، وحاشيته من عبيده وأصحابه، فتركهم ولم يتعرض لهم بسوء في مساكنهم، وأهدى له الخليفة المذكور هدية نفيسة، وتمكن من مراكش وأخذ أبراجها وأبوابها وأسوارها وصوامعها، ولما تمكن منها اصطفى لنفسه ذويه من الأعراب الصحراويين أهل اللثام، ومن انتمى إليهم لا غير في جميع شئونه، وحالوا بينه وبين علماء سوس الذين قاموا به وعززوه ونصروه فحقدوا عليه، ونهوه عما يشتغل به الأعراب في المدينة من العيث والغصب في متاجر التجار، وما يفعلونه مع الباشا عبد الملك المتوكي، والباشا المدني الأكلاوي، وأخيه الحاج التهامي، والقائد العيادي وغيرهم من عمال الحوز المتأخرين عن البيعة، وذلك أنهم رسموا لهؤلاء العمال أن يتقدموا إلى الأمير بالخدمة والهدايا، فإذا تقدموا بهداياهم أوقفوهم زمنا طويلا بباب الأمير أحمد بلا إذن لهم، قصد إهانتهم وتحقيرهم بل كانوا يسبونهم في الأزقة والأبواب، وينادونهم بالنصارى والمجوس، وربما يضربونهم فلما رأوا الجفاء العظيم، اجتمعوا ليلة من الليالي بدار الأكلاوي المدني، فأفضوا إليه بما نالهم من الأعراب وعيثهم، وأنهم يدافعونهم أكثر ما أمكن لهم، ولو لم تكن لهم بهم طاقة، وأن الموت أهون عليهم من تلك المذلة، فقال السيد المدني مهلا، فإن استعمال الحيلة في تفريقهم أحسن من أن نحارب جيشا عظيما من أهل المغرب فيه من الشجعان والأبطال وذوي الحروب والقوة ما لا يغلب، وقالوا له ماذا ترى؟ فقال أرى أن نجتمع كل ليلة، ويأتي كل واحد منا بهدية عظيمة من الذهب والفضة، وأذهب بها كل صباح إليه، حتى تتمكن المعرفة، وتستحكم الخلطة، فقبلوا منه فكرته.

(1) قد بينا وقت دخوه في ترجمة الهيبة، وأنه نحو ثالث رمضان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت