فهرس الكتاب
401/3 الهاشم عقد مع أهلها هدنة، وهم من شيعة عمه العربي، وأظهر لهم الأمان الكثير، وجعل يستميلهم بأنواع المكر والخداع، فلما اطمأنوا بعث إلى أعيانهم يدعوهم إلى مأدبة الإكرام، فتسارعوا إليه معتقدين فيه أمانا عظيما، إذ كان قبل هذه الحرب مخدوما من قبلهم معتقدا عندهم، فلما دخلوا داره ومحل ضيافته، والكل منهم مسلح برباعيته، قدمت لهم موائد الأطعمة، ووضعت بين أيديهم، وقبل أن يغسلوا أيديهم للأكل أحاطت بهم رجال القبض والأسر وهم ثمانية عشر، وجعلهم في الحديد المثقل، وبعث من حينه إلى قريتهم وأمر بهدمها، فما كان أسرع من لحس الكلب أنفه حتى صارت خرابا يبابا، ولم يبق فيها إلا اليعافير وإلا العيس (1) وأمر بهدم جامعها وصومعته، ومشهد صالح هناك وإحراق قبره، واضطرمت النار في القرية حتى صارت عبارة عن كدية تراب، فتفرق أهلها شذر مذر، أيادي سبأ أكثرهم لمراكش وفاس، واستوطن المستضعفون من رجالهم ونسائهم قرية ( كادورت ) إلى أن وقع الاحتلال فوجدهم في الحرب، واستسلموا عن آخرهم، ورجع كل إلى وطنه وشرعوا في بناء دورهم بعد ذلك.
وأما الأعيان المساجين فقد أقاموا في السجن في حالة يرثى لها، وخيم عليهم القمل والجوع، يتخبطون في أبوالهم وغائطهم، وتسلط عليهم من وحوش الرجال ناس من ( أيت واوزكيت ) لا يعرفون الإنسانية، فقضى الجوع على أكثرهم، وقتل الباقون بعد أن ذاقوا العذاب الأليم، وهرب بعضهم.
(1) اقتباس من بيت الشواهد المعروف:
وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس