فهرس الكتاب
هؤلاء الإعراب فيهم عفة ونزاهة وسماحة، وللركائبات في هذه السنين السيطرة عليهم، لكثرة عددهم وعددهم بعد قبائل أسا، ورئيسهم في ذلك العهد رجل اسمه ولد الخليل، من فتيان زمانه وأجودهم وأشجعهم، وفيهم (1) علماء وأدباء حلماء، رجالهم نساؤهم، وليس لهم شغل إلا القراءة والخوض في العلوم العقلية والنقلية، والحفظ للمتون المتنوعة، وربما تجد أحدهم حافظا للقاموس وأيام العرب وأشعارها وأنسابها، متمهرا في الجميع، ويكون الشعر عندهم أسهل من النفس، ولا زالت في غالبهم لهذا العهد العربية السليقية (2) الفصحى، وكانوا يحبون العلم وأهله، والعالم عندهم في المرتبة الأولى في مكانة مكينة، بحيث إذا أصبح أحدهم يذهب إلى خيمته فيسلم عليه وكيف سلامه أن ينكب على ركبته فيقبلها، ويأخذ يده اليمنى فيقبلها ثلاثا ظاهرها وباطنها، ويخضع له وينصرف، فيتبعه العالم بدعاء حسن مما يناسب حاله (3) فإذا ورد عليهم عالم آفاقي اجتمعوا إليه فيكون في ضيافة كبيرهم أولا، ثم يستدعونه للضيافة واحدا بعد واحد، ويذبحون له كل يوم ناقة وكبشا وينحشر الناس للأكل معه غداء وعشاء، ويأتي كل واحد منهم بأحلى ما عنده، وغالب قوتهم الحليب واللبن والرائب والزبد واللحم، ولا يأكلون الحبوب من شعير وقمح وغيرهما إلا نادرا، لأن بطونهم تنتفخ بها، لعدم اعتيادهم لها، ويأكلون التمر مكانها، اللهم إلا ما كان من أيت أوسا المجاورين لنا فإنهم يتقوتون بالجميع (4) . 403/3
(1) قبيلتا أسا والركائبات يقل فيهما العلم مثل كل قبائل (تكنة) و (حسان) وإنما هو في قبائل الزوايا المعروفة في (شنكيط) رجالا ونساء.
(2) للشنكيطيين ومن إليهم لهجة عربية خاصة بعيدة من العربية السليقية الفصحى فإنها لغتهم الدارجة الخاصة بهم.
(3) هكذا يفعل آل ماء العينين بعلمائهم وربما اختص ذلك بالمعتقدين منهم.
(4) تبدل حال الصحراء كثيرا في المعاش فصار غالبهم الآن يحب أكل الحبوب وأما السكر فهو مشروبهم الوحيد.