الصفحة 1633 من 9223

تقدمت لنا معهم أيام هناك كلها غرر في جبهة الدهر، وكثيرا ما أنشد فيها:

لله دهر جمعنا شمل لذته *** هناك أعذب من أمن على فرق

مرت لياليه والأيام في خلس *** كأنما سلبته كف مسترق

ما كان أحسنها لولا تنقلنا *** من النعيم إلى ذاك من الحرق

رق العذول لحالي بعدها ورثى *** لي في الجوى والنوى والشوق والأرق

وأنشد أيضا:

نفسي الفداء لأنس كنت أعهده *** وطيب عيش تقضي كله كرم

وجيرة كان لي ألف بوصلهم *** والأنس أفضل ما بالوصل يغتنم

بالشام خلفتهم ثم انصرفت إلى *** سواهم فاعتراني بعدهم ألم

كانوا نعيم حياتي والحياة له *** والآن كل وجود بعدهم عدم

وأكثر لباسهم الخنط (1) الأزرق والقطن، ويأتي ذلك كله من بلاد السودان ومن جهة السودان المصري، وطهارتهم في جميع الأزمنة ترابية، ولا يتوضئون بل يتيممون، زاعمين أن تناول الماء يضر بهم في أبدانهم، وقد جرت بيننا وبينهم في ذلك محاولات أدت إلى محاورات، حتى حكى بعض الحاضرين أنه رأى أحدهم نزل في غدير ماء للطهارة الكبرى من الجنابة، فبمجرد خروجه من الماء ونشفه تقشر جلده أجمع، حتى أشرف على الهلاك، وذلك لتربيتهم بالصحراء وهوائها، حتى صاروا مثل ضبابها، وهم أخف الناس أجساما وحركة، بحيث يثب أحدهم على الجمل العشري وهو يهرول فيركبه لخفة أجسادهم بعدم البطنة، وقلة الدم، وفيهم حسن وجمال ورجالهم طوال شم الأنوف، واسعوا العيون إلى الكحل، وغالب نسائهم بيض عين دعج ولهن حركات وتغنج ورقة كلام وظرف وفكاهة في أخلاقهن، وربما ترى إحداهن في غيابان الخدر كأنها القمر ليلة بدره في ظلماته (2) في إشراقها وبياض أسنانها، وعادتهم أن لا يفتروا عن الاستياك بشجر الأراك كما اعتاد بعض أهل فاس ونواحيها الاشتغال بمضغ العلك ونحوه.

(1) الخنط بضم الخاء وسكون النون.

(2) الضمير للخدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت