فهرس الكتاب
ومع هذا كله فلهم عوائد مذمومة في اختلاط الذكور بالإناث في المجالس أكلا وشربا ومفاوضة وغير ذلك، ويختلي الرجل بامرأة غيره ليلا ونهارا، وربما قطعوا زمنا طويلا في ذلك من غير مراودة فاحشة بينهما، ولا بدو% لوائحها منهما، مع مبالغة في المراقبة على ذلك، وإحصاء أنفاسهما، وذلك لعلو همتهم، وصدق عفتهم، وقد جرب ذلك منهم، وكثيرا ما يرد الأجنبي عليهم ذكرا أو أنثى، فيبدي شيئا من الخنى ولو نطقا به، فيمقت عندهم ويطرد وإذا حم له وراود امرأة أو أمرد منهم فإنه إن لم يهرب في الحين يقتل ويطرح للكلاب، وحكي أن رجلا من ( أيت باعمران ) تاجرا له منهم صديق ملاطف ينزل عليه متى قدم تلك البلاد الصحراوية، وإذا ورد الرجل الصحراوي على ناحية ( أيت باعمران ) ينزل على صاحبه كذلك على العادة الجارية بين الأصدقاء والعادة أن من لم يجد صاحبه حاضرا في داره أو خيمته فإن ربة داره تقوم مقامة في القيام بالضيافة في غاية الإكرام والإعظام، وإن كان للمضيف أخوة أو جيران فإنهم أيضا يقومون، ففي بعض قدمات الباعمراني على العربي الصحراوي لم يجده فقامت امرأته أحسن قيام، أكلا وشربا وفرحا وسرورا فلما كانت هنيئة من الليل فرشت له للنوم، واضطجعت بمقربة منه فدب إليها، فقالت له إن كانت بينك وبين زوجي محبة فقد أديت حقه، وإن كان شيء آخر فلتتربص حتى يأتي فيؤدبك، فاستل الرجل الباعمراني من الخيمة ليلا وهرب، فلما قدم الصحراوي وأخبرته بذلك ركب على جواده إلى صاحبه فقطع مسيرة خمسين يوما حتى وصله فهم بقتله قبل أن يكلمه، وتفطن له، فقامت القيامة بالضجة بينهما، حتى أصلحت الجماعة ما وقع، ولم ينفصل منه إلا بشق الأنفس، ورجع لخيمته فطلق زوجته من غير جريمة، بل استنكارا واستقذارا لها لما صدر عملا بقول الشاعر:
إذا وقع الذباب على طعام *** رفعت يدي ونفسي تشتهيه