فهرس الكتاب
وأحوالهم في ذلك عجيبة، وجلهم لا يلبس شيئا في زمن الصبا قبل أن يبلغ الحلم ذكرا كان أو أنثي، سواء في ضاحية الحرارة أو في قرة البرد وحمارته (1) وهم في مجتمعهم وعادتهم ينقادون لرؤسائهم ورؤساؤهم 405/3
406/3 ينقادون لعلمائهم، بحيث إذا عقد الرئيس أمرا من حرب أو سلم أو صلح أو غير ذلك ينقاد له غيره من غير مناقشة ولا بحث ولا كشف عن أمر ذلك لا داخلا ولا خارجا، بل يستصوبه الجميع، فلو ناقشه غير الرئيس بمراجعة عد من الحمقى، إلا العالم فإنه يسمع كلامه، ويعمل به، لأنه عندهم في منزلة فوق منزلة الرئيس كما تقدم.
وغالب تجارتهم في القطن والودع والذهب من جهة السودان، قبل احتلاله بالفرنسيس، والآن قد حيل بينهم وبين ما يشتهون، كما فعل بأشياعهم من قبل، ولم يترك لهم إلا التجارة في الملح، يأتون به من بلاد ( الحمادة ) بإتاوة مضروبة عليهم فيها.
الحروب السودانية
كانت بينهم وبين الفرنسيس حروب من جهة السودان حيث هاجم المدينة ( تيمبكو ) مرسى (2) السودان، وكانت في ذلك ملاحم عظام، ولهم فيه جهاد كبير ومكانة عظيمة حتى أعيته فيهم الحيلة من حيث أنهم يغيرون ويغنمون فيصحرون، ولهم خيل ضمر، ونجب كذلك تسمى عندهم العشريات، لخفتها وسرعتها، حتى تضرب عشرة أيام في يوم، ثم تقدم إلى جهة ( أدرار ) ثم إلى جهة ( شنجيط ) قبلة، وطوقهم من كل جهة فجعلوا يتقهقرون شيئا فشيئا للصحراء الموالية للسوس (3) ثم عم جميع البلاد.
(1) المعروف لغة أن الحمارة بتخفيف الميم وتشديد الراء: شدة الحر لا شدة البرد، وأن الذي يقال في البرد صبارة بمثل ذلك الضبط.
(2) ليست على البحر بل هي بعيدة منه وكأنه يقصد بالمرسى مطلق المكان المهم.
(3) احتل الحوض عام 1318 هـ ثم احتلت (شنكيط) بعده بقليل، ثم أتى الوادي فطم على القرى.