فهرس الكتاب
هذا ولد سيدي بلقاسم المتقدم: وهو من رجالات إلغ في أوائل القرن الثالث عشر ومن رجال الصلاح الذين تضرب إليهم أكباد الإبل من مرابطينا في ذلك العهد, ورث من أبيه تالدا من الشهرة والاحترام, فزاد هو مجدا طارفا اشتهرت به قرية تيييوت الحديثة اشتهارا, وكان أبوه يرتفع شأنه بمقدار ما يحبه هو من الخمول, ويتطاير صيته كلما أمعن تحت ذيل الانزواء, فجاء ولده فتلقى مكانة والده هذه بحال حسنة, وسريرة طيبة, فكان من التابعين له بإحسان, فارتفعت منزلته وعلا مقامه وكان له من المظهر الصالح الهادي للدين الذي يجول فيه ما يستحق به أن يتخذ عتبة بابه متعلق الأنظار, وله مع ذلك غرائب صدرت منه في عصره, ورأى برهانها منه الناس عيانا, فسلموا حاله, وعلموا له منزلته.
هناك خوارق متعددة تتداولها الألسن, ولما كنا في هذا الكتاب نتنكب الإكثار منها ما أمكن, لعدم تثبت الرواة, أضربنا عن ذكرها صفحا, إلا أن هناك واحدة اشتهرت كل الاشتهار, حتى صارت تحت كل لسان, وفي ضمن كل أذن, وقد تلقيت بالتواتر, فرأينا أن نسوقها:
كان لصاحب الترجمة غنم في مرتبع إزاء (تاركانتزلماط) وكان لأهل ذلك الموطن تعالٍ وقوة, لا ينظرون بهما إلى الضعفة كمرابطينا, إلا كما ينظر المختال القوي إلى خنفساء تعرضت أمام قدمه في الطريق, فعمد بعض رعاعهم إلى غنم هذا السيد, وقد أقبلت للمورد فذادها عنه ظلما وعدوانا, والماء موجود, والعين ثرارة, وقد أصدر كل الرعاء, فرجع الغنم بعطشه فبلغ ذلك صاحب الترجمة فثار منه ما يثور من كل مظلوم ففزع إلى الباب الذي لا يغلق دون دعوات المظلومين, فنفذ السهم واستجيبت الدعوة, فأصبحت عين أولئك الطاغين غائضة, لا تبض بعد بقطرة, وقد بذلوا كل الجهود في حفرها بعد, فأصبح الماء واقفا لا يجري, فدامت تلك العين أثرا خالدا من آثار دعوات المستضعفين.