الصفحة 1717 من 9223

اتخذت وسائط فئاب الأستاذ إلى داره , فراجع ما كان له من كرم حافل , ومن وفود تنتابه من كل جهة , فأقبل على شأنه , وأحسب أن مشارطه في تلك المدارس كانت في هذا الطور ليرتاش فيسترد بعض ما كان لابد أن يضيع بسبب الجلاء , فأفاض الله عليه نعمه تترى , وسالت إليه السيول من كل بطحاء , فكان لا يهتبل إلا بالكتب , وقد بدأت المطابع تستخرج دفائن الخزائن , وتستنبط من قرائح العلماء الجدد , فكان زهده في الممتلكات المعهودة منصبا في نهمه بالكتب , فلا تقع عينه على مطبوع أو مخطوط - وما أكثر المخطوطات إذ ذاك في صقعه - إلا اشتراه إن أمكن , مع حسن الاختيار , فينتقي ما يفيد , ثم لم يزل ذلك هجيراه حتى كانت خزانته أعظم خزانة في جهته التي يسكنها وكان أيضا يتردد إلى الحواضر لا يغب زيارتها , فيزداد تعرفا بأكابر المغرب الحاضرين و البادين , فأدرك في هذا الطور عظمة ما مثلها عظمة بالنسبة إليه وإلى وسطه , فقد بدأت الطريقة الأحمدية التيجانية تنتشر عنه بكثرة , وكان وحده قطب رحاها في الجنوب , وهناك آخرون تصدرا فيها ولكنهم لم يسعدوا سعده , وقد رأيت القائد المدنى الأكلاوي وأمثاله اتصلوا به في ذلك الحين فتلقنوا منه الطريقة , وكذلك بعض رؤساء ( حاحة ) فتكون له في القلوب ناموس وشهرة عم أندية مابين فاس و الحمراء إلى وادي نون , فالعلماء يذكرونه بعلمه الواسع , والرؤساء مأخوذون بسؤدده الذي يبهرهم منه إذا جلسوا إليه مما لا يجدونه في كثير من علماء قطره , وأتباعه ومعتقدوه يشيدون بما يرونه منه من إرشاد لطيف ونصائح هينة لينة تضع الهناء مواضع النقب , ومن بعض كرامات وكشوفات يأثرونها عنه.

كذلك كان الأستاذ سيدي الحاج الحسين الإفراني قرة كل عين , وذكرا معسولا على لسان , فكأن تلك المحنة إنما زادت شأنه فوق ما كان عليه , وهكذا الذهب الإبريز لا يزداد بكثرة عرضه على الصلاء الا صفاء ولمعانا وجودة. 37/4

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت