الصفحة 1876 من 9223

قال فأخذت بيد الفقيه سيدي الحاج الحبيب، فطلعت معه إلى علية، فصرنا نطل على المدينة الهادئة، فقلت له أرأيت كيف يكون الأمن؟ وكيف يسود الهدوء؟ وقد سادت الطمأنينة، فباع الناس واشتروا، ثم قلت له أين هذه الحالة الآن من حالة المدينة في هذه الأيام التي كان فيها الأعراب، وقد أثاروا الاشمئزاز من النفوس، وأفقدوا الأمن في الأسواق مع أن الأعراب يزعمون أنهم مجاهدون مسلمون، وهذا الأمن اليوم من العدو الكافر الذي فتح المدينة، ومن هنا ينبغي لك أن تعتبر وتعرف الفرق بين الناس والناس، والملك لا يمكن أن يتأتى إلا لمن يصاحبه 156/4

157/4 الأمن، وتماشيه الطمأنينة، مسلما كان أو غير مسلم، قال وفي الليلة القابلة زودتهم أحسن زاد وأركبت راجلهم، وسلحت أعزلهم، فخرجوا في باب من أبواب القصبة خفية مع دليل يصحبهم إلى وادي النفيس حيث يأمنون ويعرفون الطريق، وممن بقى أيضا سيدي محمد أُعَبُّو الفقيه الهشتوكي مع صاحبه المؤرخ الرفاكي الجراري، وقد التجأ إلى الزاوية الناصرية حتى خرجا بخفارة أهلها، كما بقى هناك أيضا شيخنا الشاعر الإفراني وقد نسيه أميره، ونسي قصائده الطنانة، فقد بقى هناك مع الأديب سيدي البشير الناصري، وقد نهبت بغالهما وأمتعتهما فيما نهب الناس، فوقف معهما القائد عمر المصوبر السرغيني مع قائد يسمى أعراب حتى خرجا ناجيين إلى (تارودانت) فإذ ذاك ذهبت القصائد والمقطعات الكثيرة التي له في الهيبة مأسوفا عليها، وقد قال في الكنتافي لما مرا به وأكرمهما قصيدة وهي:

يا بارقا لحمى الغوير تألقا *** أجوى أثار سراك ذا أم أولقا (1)

أسريت وهنا فاستثريت لوعة *** في القلب إذ أذكرت غزلان النقا

ولمعت فانهملت جفون زارها *** طيف الخيال من الحسان فارقا

برق كأن سناه غرة طيب *** ندب كريم في السيادة أعرقا

من طيب الأفواه نفح ثنائه *** وسرى فأشأم في البلاد وأعرقا

(1) الأولق: الجنون أو شبهه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت