الصفحة 2574 من 9223

عنهم إلا النادر، وكان رحمه الله متدينًا متورعًا متواضعًا، فكان يمشي في الأسواق لقضاء حوائجه، قلّما يَكِل ذلك إلى غيره، وكان رحمه الله يؤثر التجريد على فتنة الأموال والأولاد، فكان كلما مات له ابن يتمنى ذلك، وقد مات له أولاد كثيرون، ولم يعش له إلى البلوغ إلا ابنه محمد من الذكور، وأما الإناث، فقد زوج بنتين لطالبين من تلاميذه، وكان ينفق عليهما وعلى أولادهما غالبًا، وأحدهما شريف صالح دَيِّن خَيِّر فَهُوم، له حظ ومشاركة في علوم الشريعة، وقد ذُكِرَ لي عن شيخنا أنه ما أنكحه بنته حتى رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه، فقال له: إنني أريد أن تُنْكِحني ابنتك، ففهم منه الشيخ أن المراد تزويجها من بعض ذريته صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كله يحب التجرد، ويلهج به في مجالسه، ويقول رحمه الله: قد علمت فضائل النكاح، وكانت لي أولاد، وعلمت آفات التأهل، فالتجرد أحب إلي، وأدنى إلى السلامة، وأكبر فوائد النكاح ولد صالح يدعو لأبويه، وتحصين النكاح بإعفافه، 25/6

26/6 وهاتان الفائدتان غير متحققين في النكاح، وأما آفاته من غلبة الحِرْص والطمع حتى يجر ذلك إلى الأكل بالدين أو بالنهاوش حتى يقع في الكبائر فمتحققة، ولا يسلم منها إلا من عصمه الله، وكان رحمه الله ينشدنا كثيرًا:

تَلَبسْتُ بالدنيا فلما تَنَكَّرَتْ ... تمنيتُ زهدًا حين لا يمكنُ الزُّهدُ

وجالسته مرةً عند قوم يحصدون له كثيرًا، أكثر من مائة رجل، فقال لي: اجلس أنت، لا تقدر على الكد لضعفك، وقال: ألا ترى إلى هذه الكلفة العظيمة، تعبنا وأتعبنا ناسًا كثيرًا، وسبب هذا كله شهوة النكاح التي تنقضي في ساعة، وأنشدني رحمه الله:

وكلُّ ذلك مِن أَجْل النسَاءِ فلا ... أهلًا بهن ولا قُرِّبْن مِن أحدِ

والبيت قصيدة طويلة أظنها لابن الباجي يبين فيها آفات التأهل، أولها:

أَضرُّ شَيْء على الإنسانِ نُطفتُه ... تلك التي أَوْرَثَتْهُ لُجَّة النَّكد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت