الصفحة 2575 من 9223

ولما ظهر له مني حب التجرد والتزهد قال: لا يصلح لك ذلك، ففهمتُ أنه إنما يحض على ذلك من لا يصلح له التأهل من تلاميذه، ممن علم من حاله أنه يفسده، ولم يكن ذلك من الشيخ رغبة عن سنة النكاح، وإنما يعني ما بيَّنه الشراح ممن كان النكاح في حقه غير مباح، وقد قال الإمام ابن أبي جمرة في شرح مختصره للبخاري: إِنَّ المالَ من أعظم ما يؤدى به حق النكاح، فمن لم يقدر عليه فحظه الصوم والصون، ولا ينكِح، ا هـ، وإنما يعني شيخنا مثل هذا، وكان رحمه الله يكتب الفتاوى ويأخذ عنها أجرًا ممن استفتاه، ويقسم التركات، ويأخذ من الورثة أجرًا على عمل الفريضة في داره، (وكان أبو زيد نفسه الذي يكتب هذا يستحل ذلك وهناك أبيات تنسب إليه في الموضوع يحتج بها الفقهاء الذين يأخذون عن الإفتاء وعن القضاء بين الناس ما يأخذون حين لم يكن لهم حظ من بيت المال) ولا يجلس للمحاسبة لهم في ديارهم، وكان يقول: من جلس لهم لفصل السعايات والوصايا والجهازات لا يقوم من مجلسه حتى تكون له السيئات أكثر من الحسنات، إذ يفتى بغير علم في أمور غامضة، وكان رحمه الله يخرج لقضاء حوائجه ويشتريها بنفسه، ويحملها على كاهله، ويشمر ثيابه فلا تكاد تصل كعبيه كما هو من السنة، يكاد يشهد من رآه أنه من أهل الجنة، من حسن سَمْتِه وهَدْيِه، وكان رحمه الله محبًّا للخير، جَمّ المحبة لأهل الخير والصلاح والدين، محسنًا إليهم، مؤثرًا لهم، قاليًا لأهل الشر، مبغضًا لأصحاب البدعة، شديد الإنكار عليهم، وكان رحمه الله يقول بعض أصحابه: هذا - يعنيني - خليفة أبيه أو أكثر، عند غيبتي عن مجلسه، وقال لي يومًا: هذه النية التي بدت لي منك لم يبقَ مثلُها في زماننا، منفرًا عنهم ومحذِّرًا منهم، حاكيًا لقصصهم، تنبيهًا على احتراز 62/6

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت