الصفحة 2593 من 9223

(ولما أراد مالك الملك، المولى العلي الكبير، المنفرد بالتصرف والتكوين والتدبير، نقلنا من بلادنا وأوطاننا بالساقية الحمراء بعد تحصيل ما تفضل به علينا من فنون العلوم النفسية الغراء، على أيدي مشايخ جلة كبراء، أولهم والدي رحمه الله، وآخرهم الشيخ المذكور، وكان أكثرهم لي نفعًا وإقراءً، شاورته رضي الله عنه في الرجوع إليها، أعني الساقية الحمراء، فإني كنت قد ذهبت قبل ذلك إليها، فشارطت على تعليم الصبيان ثم رجعت إليه، فإني منذ عرفته لا أطيق مقامًا إلا لديه، وكذا كل من فيه همة ومحبة للقراءة لا يصبر عنه إذا جلس ولو مرة واحدة بين يديه، فأذن لي على أن آتي بجمال يُحمل عليها هو وأنا معه، فنرحل إلى المشرق ليحج هو ثانيًا تطوعًا، وأحج أنا مؤديًا للفريضة، ثم نجاور المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله بالمدينة المنورة لا زالت إمدادات الخيور لديها طويلة عريضة، وكتب لي حينئذ الإجازة بيده السعيدة، ووادعني راجيًا أن لا تكون الغيبة مدةً بعيدة، وذلك في المُحرَّم فاتح ثلاثة وسبعين ومائة وألف من الهجرة الحميدة، وقد رأيت أن أكتب إجازته لي هاهنا فإن في كتابتها فوائد عديدة، منها أحبها إلي كونه يسميني باسم الولد فيما يكتبه لي من الأمور السديدة، ومنها ما وصفني به ولله الحمد من الصفات العظيمة المقدار، وهي الذكاء والفقه والنجابة والبرور والاعتبار، فلله الحمد والشكر على ما تفضل به عليّ من الصفات الحميدة، مع ما اعترف لي به الشيخ من تحصيل العلوم المفيدة، ومنها وهي أهمها وأعظمها نفعًا وأعمّها الاعتراف لنا بمحبته، فلقد ورد أن المرء يحشر مع أهل مودته، ومنها استفادة كيفية كَتْب الإجازة باختصار، فقد يتشوف إلى ذلك من له في العلوم همة واستبصار، ومنها التيمّن بألفاظه الميمونة، فإن البركة والخير والسر في ألفاظ أكابر العلماء أمثاله مرجوة مصونة، ومنها بيان ما أجاز فيه من الفنون وتفصيله، فيحصل لمريد بيان ذلك معرفته وتحصيله،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت