فهرس الكتاب
إلى آخرها، وهي أربعون بيتًا نكتفي منها بإيراد هذه الأبيات، وهي كافية في الدلالة على أسلوب الرجل وشاعريته، ثم قال بعد القصيدة:
(هذا وقد قضى لنا وعلينا الملك الخلاق، الفعال لما يريده بخلقه على الدوام والإطلاق، باستيطان(الساقية الحمراء) فأقامني فيها وهي وما والاها من أفضل وأمرأ الأرض الجنوبية من الصحراء، مع أنها وادٍ قليل الماء واسع الأرجاء، ينزلها أهل العمود فوجًا فوجًا، ولا قرية فيها ولا ساقية ولا سوق 40/6
41/6 تُساق إليها السلع وتُزْجى، وإنما ينزلها أهل المواشي فيسيمون أنعامهم بواديها وبواديها، ثم يرتحلون فلا يبقى من الفئة أنيس بناديها يناديها، وأرضها طيبة جدًّا تصلح فيها الزروع، وتطفح باللبن فيها الضروع، تُحرث بفيض الأمطار وإن قليلًا فيها، لكنها لطيبها فيض واحد يكفيها، ولنا من ضرب الكامل الثاني في وصف الحال التي لا نخفيها:
*فأقامنا فيها الأله سنينا ** وحبا العبيد مع البنات بنينًا
*وأنالنا من فضله نعمًا بها ** جمّا فغادره الزمان منينًا (1)
ولقد شاهدت أقوامًا كانت عندهم المؤن من الإبل والغنم، فأفناها القحط في عام واحد وماتت جوعًا ولم ينفع أحدًا منهم ما أقتنى منها واغتنم، وكانت مدة إقامتي بالساقية الحمراء ونواحيها نحو الأربعين سنة، وما شغلني الله فيها وله الحمد والشكر إلا بالسيرة الحسنة، فلا يهمني إلا ستر عرضي واكتساب حسنة، وبذلك أوصاني الشيخ أدام الله عليه رحمته، وأكد به علي كما في آخر إجازته المستحسنة، فبنيت بعون الله خيمة كبيرة جعلتها مسجدًا للصلاة والضيف، لا أفارق فيه صلاة الجماعة في الصيف والشتاء وغيرهما في خصب أو مجاعة، وأستأجر فيه دائمًا مؤدبا للصبيان، يعلمهم القرآن، وما تيسر عليه من مسائل ديننا الناسخ لجميع الأديان، فقرأ أولادي كلهم والحمد لله القرآن، وما تيسر من العلم الواجب كفاية أو على الأعيان.
(1) المنين: الغبار.