فهرس الكتاب
كان التيمكيدشتي متبوعًا بجل القبائل الكثيرة تخدم زاويته، وتقوم بمؤنة طلبة العلم الكثيرين المنقطعين هناك، مع احترام الحكومة وإجلالها لمقامه، وكان الأستاذ الجشتيمي ممن عرف مع التدريس بفضّ بعض النوازل، وفصل الخصومات، وكان مبتلى بذلك مع كراهته الشديدة له، ولكن دفعه لذلك عصره وتفرده بالاضطلاع بالفقهيات بين أقرانه، وكان من المعروف أن كل من تصدر لذلك يتهم بالرشا، وأكل أموال الناس بالباطل، سواء صدر ذلك منه أم لم يصدر، أخذ أجرته بحق، أم تخطى فيها القدر المعتاد، فبما اتصف به كل واحد من السيدين الجليلين قال كل واحد منهما في صاحبه مقالة تؤثر، قال التيمكيدشتي يعرض بالثاني:
*يا من يرد في الناس اد اسن اتحكم ** مقامه عند الإله ايمصي
(يعني أن من يريد من الناس أن يحكم بينهم فإن مقامه عند الله صغير) ،
وقال الثاني في الأول يعرض به أيضًا:
*يا من يرد في الناس اد اس كرزني ** مقامه عن الإله امصيي
(أي أن من يريد من الناس أن يحرثوا له مقامه عند الله صغير) . 58/6
59/6 ذلك بعض ما نمى لنا عنهما واشتهر، ولكل منهما أنصار، غير أن الغالب على الجشتيميين هو الورع والتقشف ومحاسبة النفس، والفرار من التظاهر بالصلاح، والتشبث بالناصرية القديمة التي لا يحتمل صدرها بعض ما يصدر عن الحديثة من المقالات، ولذلك يرى بعض العارفين أن الجشتيميين هم أصحاب السنة والعاضون عليها بالنواجذ لا يمكن أن يجد ذو ميزان شريعة ما يؤاخذهم عليه، وأما غيرهم فإنه يعرف وينكر فهذا حال الجشتيميين مع تسليمهم لغيرهم على ما ينبغي، ولعل القارئ ما زال يتذكر العبارة التي وردت في رسالة عبد الله والد عبد الرحمن هذا إلى أحمد الجرفي أستاذ هذا الأخير، وهي: (ولا تتركه يتكبر ويتعدى على الصبيان حتى بالكلام فإنما أردناه للمسكنة والصلاح) فكأنه ضمن في ذلك سيرة الجشتيميين كلهم التي أسس عليهم مجدهم الغابر والآتي.