فهرس الكتاب
58/6 التيمكيدشتي الذي كان إذ ذاك يكاد تكسف شمسه كل ذي نور، فاستطاع أن يزاحمه في الشهرة، وأن تكون لبدره هالة علمية تسير بسيره، وتقف عند أمره ونهيه، وأن يتكون له مبدأ خاص في العلم والتصوف، كان يصطدم والشيخ المذكور بسببه مرارًا، فكان الشيخ سيدي أحمد ذاك الصوفي الكبير المقام الذي تنهال إليه الوفود من كل جهة، وكان الأستاذ عبد الرحمن الجشتيمي بمنزلة الواقف من بعيد، وقوف من يعرف وينكر، ويقبل ويرد، يسكت عما يقبله، ويرد ما لا يعجبه بقلمه السيال، وبلسانه الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، فكان التيمكيدشتي يمثل أمثاله من الصوفية المغمورين بما يغمر به بعض أكابرهم الروحانيين فَيْنة بعد فَيْنة، من أحوال مختلفة بين علوم وأذواق، وجاه وشهرة، وسمعة تظن بها الجواء (1) وتصطك بها الآذان، والناس إليهم كأنهم مسحورون، لا يعرفون إلا الترامي بين أيديه باستسلام، وكان الأستاذ عبد الرحمن يمثل دور الفقهاء الذين يقفون دائمًا أمام أمثال أولئك الصوفية، ولكن وقوفًا ليس مثل وقوف بعض الفقهاء الذين لا يعرفون إلا الانتقاد والإنكار من غير أن يزنوا بالقسطاس، بل كان واقفًا وقوف المحتسب المنصف الذي لا ينكر إلا ما في يديه عليه أدلة لا تلجلج فيها، لأنه هو بنفسه له يد في التصوف الناصري طولى، وقد رأيت مما مر بك أثناء ترجمته لبعض أشياخه ما تعرف به أنه يكاد يكون من الغرقى في ذلك البحر، وحين كان له ورع يحجزه عن أن يقول ما لا يعلم كان يتحرى الصدق، ويقول ما يقول إشادة للحق، وتبيينًا للصراط المستقيم، لا أنه ينفس على صاحبه التيمكيدشتي، وحاشًا السيد عبد الرحمن الجشتيمي أن ينخرط في سلك الحسدة الذين تعميهم المعاصرة عن أن يبصروا محاسن المعاصرين.
(1) الجواء بكسر الجيم جمع جو.