فهرس الكتاب
ثم إنه مستفرغ الوسع في العلوم محب أن يضرب في كل الفنون الممكنة بسهم، فقد رأيت فيما كتبه عن نفسه العلوم التي تلقاها، حتى الطب والهيأة وما إليهما، فإنه قد تلقاهما عن الأستاذ الغريب العجيب أحمد ابن الشيخ الحضيكي الذي كان يستحضر كلام الأنطاكي والزهراوي حفظًا، وذلك من أعجب العجاب إذ ذاك في تلك البيئة، إن العلم الذي اشتهر به 64/6
65/6 وكان له به ذكر في حياته وبعد مماته هو الفقه، فقد أكب عليه تقييدًا للشوارد حتى اجتمع له من ذلك منظومته الشهيرة، وكذلك فتاوى كثيرة وقفت على بعضها، ولكن أخاف أن يكون غالبها مما تلاعبت به الأيدي، وفرقته النوائب، وألقاه الإهمال مدة هذه العقود الكثيرة الماضية بعد وفاته في زوايا النسيان التي لا يلقى فيها إلا ما يحوم حوله الضياع، وقد كان معنيًّا بالتقييد، مفوهًا بالأشعار العربية والشلحية حتى قال يشكر الله على ذلك:
*الحمد لله الذي قد سخرا ** لي النظامين ولا مفتخرا
*أنظم طورا باللسان العربي ** وتارة بالأعجمي الأعذب
وقد ذكر الفقيه الكرسيفي سيدي عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن بلقاسم بن الحسن أن الأستاذ عبد الرحمن أردفه وراءه يومًا فصار يملي عليه (المختصر) كله من حفظه، فأقام له حفلة فرحًا بما رأى منه. ولا ينشط النجباء إلا الأفذاذ من العلماء، وكثيرًا ما كان ينشد عند ذكر حقوق الجار:
*وليس من الإحسان كف الأذى فقط ** ولكنه كف الأذى واحتماله
وينشد أيضًا:
*طرح الهموم سعادة معجلة ** ما عاد ماض ولم يبدل القدر
قال: وأصل ذلك المعنى لابن الحاج في (المدخل) ثم نظمه هو.
ذلك بعض ما أعرفه عن الأستاذ من هذه الناحية، وإن كنت في الحقيقة لم أتصل بمن عنده جلية خبره، وما تقلب فيه أثناء عمره المديد، ولكننا نكتفي اليوم على كل حال بهذا فإن أراد الله أن ينشر له من ذكره الطيب أكثر من هذا فسيرجع إليه قلمي أو قلم غيري حتى يوفيه حقه، وإنني أعلن أن ما قلناه تقصير في حقه.