فهرس الكتاب
فقد طلب منه أناس مرة أن يتوسط لهم عند موتوريهم حتى يسامحوهم، فخرج على العادة ومعه كبار الناس ووجهاء القبيلة، يسعى في المصالحات ويفك الرقاب إلى أن وصل أولئك المقصودين، فتطلب منهم ما جاء لأجله، فسامحوا وانحلت العقدة بقبول الدية، ثم لم يلبثوا أن مالوا على واتريهم فأهلكوهم بعد أن أمنوا من جانبهم، فحز ذلك في نفس الأستاذ حز المواسي المشحوذة، فتحين وقتًا خرج فيه يدور في القبائل بالوعظ والإرشاد حتى وصل قبيلة (أندوزال) فربض فيها واستقر واستوطن، فمر زمان ولم يرجع إلى وطنه، فاجتمعت الأعيان من قبيلة (أملن) ووفدوا عليه، فأفضوا إليه بأنهم لا يرضون أن يغادر بلدهم؛ لأنه منهم بمنزلة السواد من العين، والسويداء من القلب، فقال لهم: أليس من عرفكم أن قاتل النفس يغرب عن بلده، وإنه حلال الدم للموتورين يقتلونه حيث وجدوه، فقالوا له: بلى، فقال: كذلك أنا، يجب علي التغريب؛ لأنني قتلت في بلدكم، فقالوا بدهش عظيم: ومن قتلته؟ فقال لهم: إني لم أباشر القتل، ولكنني أعنت القاتلين بجاهي، والمتسبب كالمباشر في مثل هذا، أوليس أن فلانًا ما كان يجد إليه أصحابه الموتورون من سبيل، فلما أمن متكلًا علي عقد السراح الذي عقدته له بيدي، وجد إليه أصحابه السبيل فقتلوه، فلا يراني الله ساكنًا في تلك البلاد. فبقي هناك، وأبى كل الإباء من الرجوع. 94/6
قال الحاكي: فكان ذلك آخر سكناه، آخر عهده بالسكنى في موطن أسرته (أكشتيم) وصار يتردد بالسكنى في (أيندوزال) وفي (تارودانت) وفي (تيييوت) حتى أتاه أجله، ولا يرى بلده إلا إذا مر به فقط، بذلك حدثني محدث عن أحد أبنائه، وكان ذلك نحو 1295 هـ.