فهرس الكتاب
ثم حدث بعد ذلك أن اتصل بالحاجب أحمد بن موسى (با أحمد) فرفع إليه الأرجوزة الآتية، ثم كان أيضًا اتصال سرى على أيدي بعض الجواري، فكان ذلك سبب نجاح المسألة، ففتحت الأبواب أمامه، ومثل في حضرة السلطان فأعجب به، بل بهره ما رأى من زهده، فقد حفن له بيده حفنة أو حفنتين، فاستكفى بهما، والسلطان يهم بأن يزيده، فقال له: إن عطايا الملوك لا تستكثر، ولو بلغت ما بلغت. وهذا عجيب من السلطان مولاي الحسن رحمه الله مع ما اشتهر عنه من الاقتصاد التام في كل حياته، ولا شك أنه مأخوذ بهيبة الأستاذ، ومعجب بسمته، وكان رحمه الله أمام أمثاله من كبار الصالحين يعد نفسه كأحد الناس تواضعًا، وكان اتصال المترجم به قبل عام 1299 هـ، فاتخذه إمامه الراتب في الصلوات، والأستاذ إذ ذاك شيخ مسن يناهز السبعين، ثم اقتصر على النهاريتين.
ومطلع الأرجوزة التي قدمها إلى الحاجب أحمد بن موسى هو:
*الحمد لله العلي القادر ** الحكم العدل المليك القاهر
*ثم صلاة لا تعد وسلام ** يناغيان أبدًا خير الأنام
*وآله وصحبه الأجلة ** وكل تابع له أجلة
*ثمت أهدي أفضل السلام ** إلى الفقيه عالم الأعلام
*سيدي أبي العباس نجل موسى ** وقاه رب العرش كل بؤسى (1)
إلى آخرها، وهي توجد كلها مع كثير من آثار المترجم في كتاب (الرحلة الرابعة) من (خلال جزولة) المشار إليه آنفًا.
وقد عالج في هذه القصيدة قضيته من كل جهة، وأبدى من الإسهاب والضراعة ما جعل كل من سمعها يوقن بأنه مظلوم، وصادق فيما يقول، حتى ولو لم يعلم من نزاهته وديانته ما يباعده عن أن يتقول عن القاضي ما لم يجترحه، ولاشك أن هذا المقام من المقامات التي يطلب فيها الإسهاب خصوصًا وقد سبق إلى دوائر الحكومة قول القاضي الخصم، وتحذيرها من الاستماع لشكواه، ولا يعكر على ذلك الإسهاب أن فيه تلويحًا ببعد مستقى العدالة عند من يشكو إليهم، وأنهم كما قال ابن الرومي:
(1) بتخفيف سيدي.