الصفحة 2684 من 9223

104/6 على أن هؤلاء الحسدة إنما يظلمونه ظلمًا، فإنه لم يعد أن يكون مخلوقًا وإن بلغ ما بلغ من الزهد فيما يتهارش عليه المتهارشون من العرض الفاني، والجاه الذي يصطنعه الناس اصطناعًا، ومثله لا يمكن أن يخلو من الحسدة، وإلا فلم أعرف منذ عقلت من مختلف الطبقات على اختلاف المشارب من يلمز الأستاذ بشيء، أو يلصق بجانبه شيئًا ما على وجه الحسد.

كان للأستاذ صاحب من رؤساء قبيلة (أملن) يسمى بلاَّتفرتات (1) فقدر عليه أن اعتقل في واقعة (وجان) فسيق إلى (تيزنيت) مسجونًا عند القائد سعيد الكيلولي فهمّ هذا أن يفتك به لمكانته من الجبليين، ولكن صاحب الترجمة تذكر منه ما تذكر الإمام أبو حنيفة من جاره الذي ينشد في كل ليلة:

*أضاعوني وأي فتى أضاعوا ** ليوم كريهة وسداد ثغر

فبكر على السلطان صبيحة يوم فقد فأطلقه من الاعتقال، وكذلك كان الأستاذ الجيشتيمي فإنه لم يستطب النوم حتى ورد إلى (تيزنيت) فحلت له الحبى، وأي محفل يقبل عليه سيدي الحاج أحمد الجيشتيمي ثم لا يتلقاه أهله قيامًا متبادرين لجاذبية ربانية أودعها الله فيه، وقبلت شفاعته في صديقه، ومن ذا الذي يا للناس يقدر إذ ذاك ممن كانت فيه رائحة إيمان، ورقة قلب، ومحبة في الصالحين أن يرد شفاعة سيدي الحاج أحمد الجيشتيمي صالح العلماء، وعالم الصلحاء؟ ثم صدر عن (تيزنيت) مرفوع الكرامة، متزايد الحرمة، وقد عاهد المعتقل بدوره أن يدعو الناس إلى السكينة، وأن لا يشارك قبيلته التيملية في الحرب، ولكن غلب على أمره.

(1) سيأتي إن شاء الله في (الجزء التاسع عشر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت