فهرس الكتاب
203/1 فتغض دون إبصارها, وإلى الوقوف مواقف ذل وإنكار للذات, فقد يأمر الشيخ وأن يجول في مرقعة غليظة بين القرى وبين عارفيه, حتى يزول منه ما يمنعه من من كان معروفا في قومه بلباس حسن ومروءة وعز وعلو همة, أن يطلق كل ذلك المداومة على مثل ذلك, وربما أمره أن يتعرض للناس للتكفف وأن يجهر بذلك في الأوساط التي كان عرف فيها بما عرف, ويسمى ذلك عند مشايخ التربية (خرق العادة) .
تعلو صرخات الفقهاء والمحدثين باستنكار ذلك واستبشاعه بين المسلمين فيقول المحدثون: لم نر قط رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا ممن يريبهم وهو شيخ المربين وأستاذهم وقدوتهم أن يفعل مثل ذلك, وهذه أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها ظاهرة بين أيدينا لا نجهل منها ولو طرفا, أفلا يسع من يربي الناس اليوم ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمس؟ والمراد من المسلم أن يحس بالشرف وعلو الهمة وعزوف النفس, لا بالضعة والإسفاف والحقارة, وأي مسلم ألف الحقارة إلا التحفها حتى أمام الكفار وأعداء الدين.
ويقول الفقهاء: إن عرض الإنسان ومروءته وشرفه لمما تجب المحافظة عليه مثل ما تجب المحافظة على دمه ودينه وماله فبأي دليل وبأي نص يستدل من يأمر بهتك المروءة التي هي كما يقول علماء الأخلاق كسجف رقيق متى انتهك فهيهات أن يلتئم بعد؟ فكيف يربي إنسان إنسانا في الدين الإسلامي بهتك المروءة والتوقح للناس في الأسواق بالتكفف وبإذلال نفسه, مع أننا ما أمرنا إلا بعكس ذلك؟ هذا ما يصرخ به المحدثون والفقهاء ويسهبون به في حججهم ويسوقون ما يسوقون مما يشهد لما ذهبوا إليه.