الصفحة 269 من 9223

لبعض الصوفية أحوال عجيبة لا تزال إلى الآن محمولة في أعين غالب الناس على الغرابة, وعلى الخروج عن المعتاد, وبها تقوم في كل عصر حرب زبون ومجاذبة عنيفة بينهم وبين الفقهاء الذين لا يجدون فيما عندهم من مختلف الفنون ما يبررها خصوصا المحدثين منهم الذين يتراءى من سيرة صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم ما لعله لا يوافقها فيما يرون, فهؤلاء الفقهاء والمحدثون يحملون على من يلابس هذه الأحوال الغريبة حملات متوالية زاخرة بالحجج والبراهين والأدلة, ولكن الآخرين سائرون في طريقهم, معرضون عما حولهم وهم كالصخور التي تجثم في ضفاف البحار فلا تكاد موجة تصطدم وإياها حتى تتكسر على جنباتها ثم يستحيل ماؤها زبدا ورشاشات متطايرة, قلب معي النظر أيها المؤرخ منذ تأسس التصوف في القرن الثاني واستقل كعلم خاص, له مبادئه واصطلاحاته وتآليفه المدروسة ورجاله الذين يتفانون فيه, ويظلون ويبيتون في تتبع دقائقه ومقدار تأثير كل دقيقة من دقائقه في نفس المعتنق للتصوف المتتبع لمقامات السلوك فيه, تأمل معي منذ ذلك العهد إلى الآن, تجد هذه المجاذبات العنيفة التي تقع في مختلف هذه القرون وترى ما هناك رأي عين, فيتضح لك أن ما يستغرب في ذلك الوقت, يثور به على القوم الفقهاء والمحدثون دائما ولكنهم بعد انجلاء المعركة يخرج أصحابهم وهم كماهم لم يتأثروا بقلامة ظفر من ثورة هؤلاء.

ومن بين ما يؤاخذ به هؤلاء أصحاب التصوف هذا الذي يسمونه التجريد بالتجرد عن كل ما في أيديهم وعن كل ما هم فيه, حتى ليأمرونهم بترك هيئات حسنة, وشارات عرفوا بها إلى هيئات أخرى وشارات زرية تتخطاها الأنظار 202/1

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت