فهرس الكتاب
ومن ذلك نعلم حق العلم الرأفة التي طبع عليها سيدي الحاج أحمد الجيشتيمي رحمه الله، وذلك ما يصاحب غالبًا كل من كانوا في مسلاخه من رقة قلب ودماثة أخلاق ولين جانب مع الدين المتين والورع
137/6الصحيح؛ والتهذيب بالمثل العليا من سمو الطباع، وتلك أخلاق متى خالطت القلوب تذرها أبيض من الثلج، وألين من الزبد، وذلك هو خلق الأستاذ الذي طبع عليه، فعرف به في عصره وبعد عصره رحمه الله.
حدثني أخي أحمد رحمه الله أن بعض من صاحب الأستاذ سأله عن أحوال والدنا في معاشه، فذكر له أنه يتعاطى الأسباب، ويبذل جهده في ذلك، فقال له: عهدي بسيدي الحاج أحمد الجيشتيمي بلغ من الزهد، ونفض اليد من متاع الدنيا مبلغًا عظيمًا حتى كان لا يصبح على معلوم، ولا يبيت على معلوم، مع ما له في قلوب الناس طرّا من الإجلال والاحترام والإكبار، فلو أراد أن يلوي من صفحة عنقه أحيانًا إلى الاستمتاع بما أحل الله له من الطيبات لكان في تنعم قلما يتيسر لأحد من أقرانه، ولكنه ممن يرون أن الأفضل أن يعيشوا خفيفي الحاذ، ثم يردوا يوم القيامة من المخفين.
وحكى لي آخر أيضًا أن الأستاذ لم يعرف عنه في حياته الطويلة أنه وضع حجرًا على حجر حتى إن ولده سيدي سعيدًا كان اهتبل مرة غيبة والده عنه فأشاد بعض ما يحتاج إليه للأضياف الكثيرين الذين ينتابون والده كثيرًا، فناله من والده عتاب، وقد أخبرت من حكى لي ذلك أنني سمعت بأن الأستاذ كان اتخذ حمامًا، فأنكر ذلك كل الإنكار قائلًا: إن حاله أبعد ما يكون من الرفاهية، ذلك ما سمعته مرويًّا عن بعض أهله فكتبته كما سمعته.