فهرس الكتاب
(ومنهم ولده الشيخ الكبير، والعلم الشهير، رافع راية العلم باليدين، الفاتح لما أشكل وإن حل ذروة الفرقدين، الناسك الخاشع، الزاهد الخاضع، إمام الأئمة، وقدوة علماء الأمة، سيدي الحاج أحمد بن عبد الرحمن الجيشتيمي التيملي الجزولي، كان رحمه الله على قدم الصدق، معدودًا من أفاضل قطره، مشهورًا بين أكابر عصره، حسن الخلق، زاهدًا ورعًا، قوي اليقين، نشأ في ديانة وعفاف، وكفي بالكفاف، يفيد من أتاه، ولا يحاشي كهله من فتاه، عمر أوقاته بالتدريس والأوراد، متنحيًا عن مجالس الأوغاد، لزم داره بعد أن جال وحج واعتمر وزار، وقضى من الجولان الأوطار، وكان من أكابر الطريقة الناصرية ذات الأنوار السنية، فإذا قيل له: إن هذه الطرق يذكر أصحابها في مناقبها، وطريقتنا هذه لم تذكروا لنا مناقبها؟ يقول لهم: من يسأل عن هذا فكأنما يسأل عن فضائل الدين؛ لأن طريقة ابن ناصر مبنية على السنة، والسنة لا تحتاج إلى مناقب ولا فضائل، فكلها فضائل، وكان آية من آية الله في الحفظ والفهم، وضبط الأسانيد، ونظم الشعر في غاية، وحكي عنه أنه قال: لا يتيسر لي غالبًا نظم الشعر إلا إن كنت مسافرًا. فجُلّ قصائده إنما عملها في السفر، وقد ذكر لنا والدنا رحمه الله أنه التقى معه مرة في(وجان) أيام حصار الكيلولي لـ (ولتيتة) عام سبعة عشر وثلاثمائة وألف بحضرة الخليفة الحاج أحمد الكيلولي، وقد كانت بين صاحب الترجمة وبين الفقيه سيدي محمد بن العربي الأدوزي منافرة قاطعة، وبعث إليهما لاصلاح ذات بينهما، وأرسل لوالدي رحمه الله ليحضر لصلحها، قال: فلما وصلت (وجان) دخلت دار الخليفة، ولا أدري من فيها، فطلعت إلى سطح الدار، فوجدت الفقيه سيدي محمد بن العربي جالسًا وحده خارج البيت الذي فيه الخليفة على هيضور له، وبيده سبحة، فسلمت عليه فإذا بالخليفة خرج من البيت، وتلقاني وسلم علي ورحب، وقال لي: ادخل، فدخلت فإذا في البيت سيدي الحاج أحمد الجيشتيمي، وكنت لم أعرفه قبلها،