فهرس الكتاب
كلتاهما أسست على التصوف، ولكن همم رجالاتهما في بث المعارف، والبحث في فنونها، وتأسيس مدارسها، فبذلك امتلأت حياة أصحابهما حتى كان التصوف إنما هو تبع، يؤخذ منه القدر الذي يحتاج إليه لتهذيب النفوس، وصقل المرايا، وإرشاد الناس، والقصد المهم هو العلم وبثه، وتأسيس مراكزه في القبائل المختلفة، فبذلك عرفت (تامكروت) أيام ازدهارها في أجيال، ثم (تيمكيدشت) في عهد الشيخ سيدي أحمد بن محمد وولده الشيخ سيدي الحسن وسيدي الهاشم، ثم لمّا أدركهم جميعًا الانتهاء الذي لا بد منه لكل ما له ابتداء، غادروا وراءهم ذكرًا عطرًا، وثنا مستطابًا، وتاريخًا وضاءً، وآثارًا ثابتة تشهد لهم بما قاموا به نحو الأمة المغربية الجنوبية، من علم ينشر، ولا يزال ينتشر بسببهم من تلاميذهم إلى الآن، فظهرت بذلك ما لهم من التركات، وعند الممات تظهر التركات.
إن مدارس أولاد (أبي السباع) وما إلى تلك القبيلة من (مزوضة) و (الشياظمة) و (متوكة) و (حمر) و (عبدة) و (الرحامنة) و (فروكة) و (مسفيوة) و (كدميوة) ، ثم تلفت وراءك إلى وادي (سوس) إلى جبال (جزولة) إلى (أقا) إلى (طاطة) غالبهن المدارس القديمة تعلن شهادتها التي تعرفها من الرجال الذين تعلموا في (تيمكيدشت) أو تعلموا عمن تعلم من هناك وأي شهادة أكبر من آثار أعمال لا تزال قائمة يعاينها كل واحد، ويلمسها كل لامس، حتى إن الأعمال التي قامت بها مدرسة (الحضيكي) في آخر القرن الثاني عشر على جلالتها، وبلوغها مبلغًا كبيرًا لا تكاد تكون شيئًا مذكورًا إذا قيست بما قامت به مدرسة (تيمكيدشت) التي تفجرت ينابيع علمها بماء معين، وليست الخطابة هي التي استولت على يراعي 171/6