فهرس الكتاب
175/6 والنهار، مع ما أعطي من تخريق العادة في خفة اللسان، وتحريك اليد، ينام مع سبحته، ويعمل ما تيسر كلما انتبه، رتب أوقاته، وضبط أحواله، وكان يخدم (دليل الخيرات) وتحرى ما يسرده منه بخمس عشرة مرة، وأعطي فيه خرق العادة أيضًا، يقرأ وجهة الورقة كما نظن، وألف جملة من التصليات، خدمها المحبون وجربوها، فأسرعت لهم بالفتح في رؤيته عليه الصلاة والسلام، وتيسير الأمور، وتفريج الهموم، وتقوية الإيمان، وتصفية الباطن، ووجد أن لذة الذكر، وطيش المحبة، ووله الشوق، وحلاوة الذوق، وكان رضي الله عنه رأس الزاهدين، وحلية الورعين (فمن زهده) أنه خدم العلم الشريف بنفسه وماله وعياله، ولم يأخذ عليه أجرًا، بل أقام زاويته من غير اعتماد على عشيرة ولا قبيلة، وقوبل امتحانًا على ذلك بالأذاية والمحن، فصبر واختار الغربة، ويقول: طاعة ربي وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم دون البدعة، ورضا مخلوق مثلي وغيره إنما يعمل بالمشارطة يعد على الناس الأشهر والأيام، ويتكيس ويتفرس؛ بل ذكر أنه في حال صغره وقبل بلوغه تفكر في نفسه وقال: لا يصح إلا أن أتعلم صنعة شرعية أقتات بها، وأدع علمي وعملي لله تعالى . فمشى إلى الفخارة فلم تصدق له، وإلى الغسالة فلم تصدق له، وإلى الخرازة فلم تصدق له، ولم يجد من عيادة ربه فراغًا لذلك، فلما علم الله صلاح نيته أغناه الغنى المطلق، حتى لو كان أهل (سوس) كلهم عالة عليه لا يلقي لهم بالًا، ولا يرفع لهم همًا، ونصره الله، وجعل حوائج المسلمين لا تقضى إلا على يديه، وجعل القبول والبركة والحكمة في كلامه، فكانت حوائجه مقضية، وأحواله ماشية، وخضعت لهيبته الرقاب، وارتعدت لديه من الفرق الكماة أصحاب الأحزاب، وحمى الله ماله وأحبابه، وطرق زاويته ومن لاذ به، لا يمس أحد حمى شيء من ذلك إلا أُخذ لوقته، وسُقِط في يده من يومه، (ومن زهده) في غير الله تعالى أنه يقرب أهل الطاعة ولو كانوا حفاة عراة، ويهجر الظَّلَمة ولو كانوا