فهرس الكتاب
ملوكًا سراة، يزجر الكل ويوبخه على المخالفة، ولا يخاف في الله لومة لائم، ولا يحرص على محبتهم، ولا يرفق بهم لمداهنتهم، بل صحح مقام الزهد عنهم وعن متاعهم، وإذا غضب لشيء نحس بالقلوب كادت تنشق، ونظن أن السماء كادت تتشقق، ولا يسكن إلا بالتوبة النصوح، فإذا سمع: أنا تائب إلى الله تعالى؛ يسكن كأنما أطفأت الجمرة بالماء البارد.
(ومن ورعه) أنه لا يأكل المتشابه، ولا يصوم يوم الشبهة، ولا يكسب إلا ما علم أن النبي صلى الله عليه وسلم كسبه، ولا يلبس الحرير، وربما أمرنا بتسويد بعض أقمصة كتان نلبسها أو بنزعها، ويحب الصوف ويغير خياطة الحرير بخياطة الصوف، وكان ينبهنا لمثل ذلك ونحن صغار، 175/6
176/6 وما أولاه بذلك، والتمسكن والتقشف والتورع ورفع الهمة إلى الله، وكان ينذر عشيرته الأقربين، ويقول لهم: أطيعوا الله؛ فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا؛ عملًا بالآية، ويجمع أهله، ويأمرهم بالصلاة، ويقول: من أراد شيئًا فليرغب فيه إلى الله تعالى، فإني عبد الله مثلكم، وضعيف مثلكم، لا أملك لكم رزقًا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا كله؛ عملًا بقوله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة} الآية، وإذا كانت شدة وحملة على بعض أصحابه يترك الطبيات والصابون، وأحوال التنعم والزينة، فيرغب في الله حتى يفرج فيرجع لحاله.
(ومن زهده) أنه كان لا يقضي ولا يفتي ولا يشهد، ولا يكون وصيًّا على يتيم أحد، ولا يحضر ولائم أهل البدعة، وربما قيل له: برح لنا بسوق. فقال: إنما أبرح أنا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو قيل له: اكتب إلى فلان يقضي حاجتي. فيقول: أفتريد أن تكون أعلى همة مني؟ تحب أن تطلب الله وأطلب أنا الخلق، إنما أكتب لرب العالمين. فيكتب له إلى الله تعالى، ويكون ذلك له سببًا عظيمًا في قضاء حاجته، وتيسير أموره.