فهرس الكتاب
وأما محمد بن زكريا المذكور فإنه سيد جليل المقام في العلم والعمل، بارع في كل الفنون، حتى الحديث والتفسير والأدب، وديدنه في حياته أنه يدور على القرى، يعلم الناس من عوام الناس دينهم، يشمر في ذلك ذيله، فينادي في أهل القرية إذا دخل، فيجتمعون فيعزل الرجال عن النساء ليلًا، ويضرب الحجاب بينهم، ثم يعلم الجميع الفرائض من التوحيد وأمور العبادات، وما إلى ذلك من الفقه، يواظب على تفسير ربع حزب كل ليلة بين العشاءين، وعلى البخاري في رمضان، حريص على الحلال، متعفف بالعمل في أرض له بيده، وقل الآخذون عنه المتخرجون من الطلبة لاشتغاله بما تقدم، فلم يعرف منهم إلا محمد بن حسين الوولتي - الآتي - ومحمد بن يحيى الأوجويي - المتقدم - إلا من أخذ عنه يسيرًا، وصل كتاب (الجهاد) في البخاري فوافاه أجله في أول العشرة الثانية من القرن الثالث عشر، كما يظن وأخذ من (فاس) عن بناني وغيره، وعن غير الفاسيين، قال (الهوزيوي) ما ترك هذا الرجل مثله من علماء الإسلام.
هذا ما ذكره عنه الجيشتيمي اختصرنا من كلامه وأتينا باللب. 205/6
(أقول) : إن الرجل أديب، ومما نسب له قوله:
*المجد حيث مدار السبعة الشهب ** هيهات يدركه من لم يكن بأبي
وأخرى مطلعها:
*سعد الوقت وشف الفرح ** وتبدى في حلاه القرح
وهما في (سوس العالمة) وأخرى وهي:
*شراب حياة الغافلين سراب ** وأنسهم في الملهيات عذاب
*يظنون أن الورق تشدو بأنسهم ** ولم يعلموا أن السميع غراب
*عموا فاستطابوا في الحياة عماهم ** فداموا بسير الخاسرين ودابوا
*رضوا عيشهم هذا المرنق صفوه ** وهم أن يصيخوا للنذير غضاب
ويعد ابن زكري من أصحاب الشيخ سيدي محمد بن أحمد التاساكاتي فقد أخذ عنه أيضًا بعد الحضيكي.