فهرس الكتاب
استوى الشيخ كنون يوما على كرسيه في القرويين, وقد استدار به مئات فمئات من الطلبة, فصار يخب في درسه ويضع ويفسر ويشرح ويقبل ويرد بفصاحته الشهيرة, وذلاقته التي تفوق بها على أقرانه ويستميل عينه فينة بعد فينة رجل في عرض المجلس عليه مرقعة بيضاء لا تنتمي رقعة منها إلى رقعة بسبب, وفي عنقه سبحة غليظة الحبات حمراء كأنها كريات المرجان الكبيرة وهو يزدلف إلى صدر المجلس ازدلاف من يفهم ما يقرر, ويمد بصره إلى منبر الأستاذ مد من يعرف هاتيك المسائل التي يقبل فيها الأستاذ ويدبر ويحلق بها في سماوات مجلسه بين سواري القرويين, فكان الأستاذ وقد لاحظ سمة ذلك الرجل, وقد ظهر له منه أنه عارف بما يقال عراه عجب أن يرى من كان في ذلك الزي يفهم ما فيه الدراسة, فلما انقضى الدرس وسلم الطلبة على الأستاذ كما هي العادة, أقبل إليه في أخريات الناس صاحب المرقعة فسلم عليه بدوره, فقال له: أراك بين الطلبة تتبع ما نقرره, فهل تعرف ما نحن فيه؟ فقال له: نعم والحمد لله, فكأن الأستاذ ألقى عليه من مسائل الدرس فأعجب بجوابه ورباطة جأشه, وقوة جنانه, فقال له: حين أنت بهذه المثابة فلماذا أويت إلى هذه الحالة المزرية التي لا يتزيا بها إلا أهل الرياء والسمعة الذين يريدون أن يتظاهروا بأنهم على قدم الجنيد, مع أن بينهم وبين ما فيه الجنيد وأمثاله من الرعيل الأول ما بين السماء والأرض؟ فقال له صاحب المرقعة: أما هذا الزي فهو زي المساكين الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا, وأما حكمك 218/1