فهرس الكتاب
219/1 بأنه لا يتزيا به اليوم إلا أهل الرياء والسمعة فحكم غير مقبول إلا ممن له الاطلاع التام على كل سرائر أصحاب هذا الزي, ومن الذي يزعم لنفسه أن له هذا الاطلاع التام؟ وأما قول سيدنا: أنهم يتظاهرون بأنهم على قدم الجنيد واتباعه, فقد أثنى على القوم من حيث يحسب أنه يقدح فيهم؛ لأنه لما شهد لهم بالتشبه بالجنيد وأمثاله فقد كفاهم بذلك اهتداء ورباحا؛ لأن التشبه بالكرام رباح, ومن تشبه بقوم فهو منهم, وأما قوله: إن بينهم وبين ما فيه الجنيد بعد ما بين السماء والأرض, فإن ذلك لا يضيرهم؛ لأن عليهم أن يسيروا في الطريق وأن ينتحوا ذلك الدرب, وكل من سار على الدرب وصل, وأن يبذلوا جهودهم, وأما أن ينالوا كل ما يطلبون فذلك من الأقدار, على أن هذا الكلام الذي صدر من سيادتكم يدل على أنكم ممن يقولون بأن فضل الله قد انقطع, فطويت الصحف وجفت الأقلام, مع أن هذه الدعوى من أخذ بها وتمسك بحبالها فلا شك أن رأيه فائل لا محالة, وهو من المدحضين عند المناظرة, وأنت أيها الأستاذ إن حكمت بأن فضل الله قد انقطع وأن أمثال الجنيد والتستري ومالك بن دينار وأبى على الدقاق وعبد الرحمن السلمي والقشيري ومولاي عبد السلام بن مشيش والشاذلي قد انقطعوا, وأن ما كانوا معروفين به في ذلك العصر قد انقطع في هذا العصر, فماذا يكون جوابكم أيها العلماء الجهابذة إذا وجه إليكم آخر مثل هذه الدعوى, وقال لكم: هذه العلوم الفقهية والدينية التي تخوضون فيها أن بينكم وبين المكانة التي كان فيها ابن القاسم وأشهب وعبد الرحمن بن الحكم وعبد الله بن وهب وابن حبيب بعد ما بين السماء والأرض, وقد كان بين ما تقررونه في دروسكم أن الاجتهاد قد انقطع اليوم, وأنكم إنما تمثلون أولئك المجتهدين كما يمثل الماء النجوم, فإذا كان التشبه كله رياء وسمعة فقد وقع العلماء فيما ينسبون إليه صوفية اليوم, فما كان جواب علماء اليوم كان جواب صوفية اليوم.