الصفحة 298 من 9223

هكذا أفاض الرجلـ صاحب الترجمةـ في هذه المحاورة كما حكى ذلك أحد رفقائه المتثبتين, وقد كان المترجم ممن أوتي الجواب المسكت وحز المفصل والقول الفصل في أمثال هذه المقامات, وممن رزق الحكمة وفصل الخطاب في المحاورات, حتى إن أصحابه ليعدون ذلك من كراماته, فلا يقال له كلام إلا أتى فيه بجواب مقنع مسكت, وهذه المحاورة صحيحة إلا أن اختلاف رواياتها تجعل السامع المتثبت واقفا إزاءها وقوف الحيرة, ولكننا فعلنا بتلك الروايات التي بعضها يزيد على بعض أو ينقص ما فعله الزهري بحديث الإفك الذي مزج فيه بين الروايات, وأدخل بعضها في بعض وهي لعمر الحق محاورة عجيبة يكفي من شرف الشيخ كنون ومن إنصافه أنه لما رأى من صاحبه كلاما طويلا أبى إلا أن يخضع مع صبر الشيخ كنون إزاء كرسيه طويلاـ وقد جلسا حين المحاورةـ فقال له: المرء فقيه نفسه, وعند الله علم السرائر, فقام, 219/1

220/1 وذلك على عكس الحالة المعروفة المشتهرة عن كنون حين يحتدم في أمثال هذه المواقف فإنه يتناول صاحبه بلسانه أو بيده, ولعل الله رأف بذلك الغريب فنجاه من ذلك الجيش الجرار المتموج في القرويين, فلو أن الشيخ كنون أشار إليهم لنال الغريب نكال شديد, ولله الحمد على السلامة.

تلك هي زيارة صاحب الترجمة لفاس إذ ذاك ثم لم يرها بعد إلى أن لحق بربه, وقد أكرمت فاس مثواه, ومن ذا الذي يصدر عن فاس إلا ولسانه يتدفق على أهلها شكرا؟ إلا من فيه عرق ينزع إلى النفاق, فتراه يتمعر إن ذكر المؤمنون ودار المؤمنين بخير.

في سلا:

إن لأهل سلا قديما وحديثا آدابا جمة ولطفا يأسر العواطف وأخلاقا تؤهلهم إلى أن يحافظوا على كل غريب, ما دام بين ظهرانيهم نازلا, ثم يزودونه عند ارتحاله وبعده حسن الأحدودثة وذكرا طيبا خالدا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت