الصفحة 309 من 9223

قرأت الأسباب التي دفعت المترجم إلى تسنم تلك الذروة, وليس لنا بعد ذلك ما نقول, إلا أن الفقهاء يقولون: إن من رأى من نفسه أهلية للقضاء أو الإمامة أو العدالة أو لمرتبة من مراتب الدين, كالوعظ والإرشاد ثم لم ير من تتوفر فيه أهلية لذلك من معاصريه أو مساكنيه, فإنه يجب عليه وجوبا عينيا أن يقوم لذلك وأن يقبل وظيفته ولا بد إن عرضت عليه وإن يطلبها إن لم تعرض عليه, بل زاد بعضهم أنه يجب عليه أن ينال ذلك ولو بدراهم, هذا ما نعرفه عند الفقهاء, ثم ألقينا أنظارنا وأجلناها فيما بعد هذا الحين من حياة المترجم وشاهدنا تلك الجهود العظيمة التي يبذلها في تعليم التوحيد ومكارم الأخلاق للناس حين يتتبع القرى يستقريها واحدة فواحدة, فيجمع الكبير والصغير والذكر والأنثى فيعلم الكل الدين ومبادئه وشروطه, وكيف فضائل الإسلام وتعاليمه القيمة من غير أن يتوصل من وراء ذلك بدرهم يوعيه أو يتطلب رئاسة يترقى إليها بذلك, ومن غير أن يقتصر على المنتسبين إليه من مريديه بل كان يجمع إليه جميع المسلمين ويجعلهم سواسية في التعليم الديني العام, ثم إنه أمضى في ذلك كل عمره الممتد من عام 1302 إلى 1328ه وهو لا يعرف مللا ولا سآمة ولا تضجرا من معاناة ذلك التعليم, ومما لا بد أن يقاسيه من يشتغل بتعليم طبقات متشاكسة الطباع متنافرة الأخلاق, ثم هو وراء ذلك كله قد أيد بالتوفيق وعاين الأعمى قبل البصير من عمله ذلك نفعا عاما, أجمع الناس على أنه لم يقم به من معاصريه أحد كقيامه به, إذا عرفنا كل ذلك ونحن لا بد عارفوه مما سيأتي من باقي ما نتتبعه من حياته, فإننا سنجد من قاعدة الفقهاء نفسها ما يبرر تصدره لذلك الحال, ونراه وجوبا عينيا قام به, على حين أن كثيرا من رجالات عصره وفقهائهم ناسون لذلك أو متناسون, وبحسبنا أن نجد له مبررا مما عند الفقهاء ثم نذر الصوفية وما يذهبون إليه, فالفقهاء لا يمكن أن يحملوا على أقرانهم هؤلاء ما وجدوا فيما بين أيديهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت