فهرس الكتاب
وهكذا كان الأستاذ رحمه الله، ثم لما دهمت الحوادث 1370 هوانتقلت إلى ( البيضاء ) من ( الحمراء ) بعدما استقررت فيها سنوات إثر الرجوع من المنفى، بلغني أنه يدعو الله دائما أن يحفظني من أيدي الاستعمار، ثم لما اعتقلت إلى الصحراء بـ ( تافيلالت ) كان من جملة تضرعاتي على الله أن لا يحضر هو وأخي سيدي محمد في قضية ابن عرفة، فاستجاب الله الدعاء، فنسي الأكلاوي المترجم إذ ذاك، مع أنه يعرف مكانته، ولو استدعاه لما كان له أن يتأخر عنه، والأستاذ بعيد عن جو هذه الحوادث، لا يدرك من الوطنية إلا ما يدركه أصحاب الغيرة الدينية، ولم يكن يظن أن مساعي الوطنية تجدي بلا جيوش، ثم وقع ما وقع من اعتقالات الوطنيين في كل مكان، فانكمش في بيته زاما لسانه مشتغلا بخويصة نفسه، إلى أن استأثر الله به قبل أن تنحل الأزمة، مصونا محفوظا، وأنا أعدها من عناية الله به، لأن الذين لا يحترمون أمثاله جالوا بعد ذلك جولات.
وقد رأيته رحمه الله مناما قبل أن يتوفى بقليل يحفن لي ثلاث حفنات، ثم رأيته أيضا بعد وفاته بسنين، كأنني ضيف عنده في دار بدوية جديدة خرج إلينا فيها من باب، وعلى عاتقيه أثواب بيض، فكساني وأعطاني ما أكسو به أهلي، ثم فضلت عن ذلك ثياب، فأهوى إنسان ليحملها عنه تخفيفا عن عاتقه، فقال له بل فلان هو الذي يحملها عني، وقد علمت إذ ذاك أنه آثرني بحملها تشريفا وحنوا، ثم دخلت معه إلى بستان متسع جدا، وفيه مياه جارية، مع صهريج ماء آخر، ثم أراني من ناحية أشجارا وقال: إن بني فلان تراموا عليها ولكننا كافعناهم عنها، ثم استيقظت جدلان فرحا، وكلتا الرؤيتين تسران ولا تغران، فرحمه الله ورضي عنه، فاللهم أضف علينا رضا الأشياخ والوالدين.