فهرس الكتاب
(40/8) البراني (1) قد أوجف وكان ذلك عند متوع (2) النهار، فاستلقينا ولم نستفق حتى انتصف الليل وابهار (3) فكنت أول ما انشقت عيناه (4) وسمعت أذناه، فزحزحت عني الغطاء، وغادرت على خارج البيت الوطاء (5) فوجدت للرجل في مشربه (6) كأنه ينتظر طوال (7) النهار، وقد اعتد (8) من أطعمة اليد واليدين ما حسبنا به روضًا أريضًا في ازدهار، فبادرني بالتحية وقال: هنيئًا بالنومة المريحة المصحية (9) ثم تتابع الأصحاب يندلقون (10) وكلهم من استرسالنا في النوم متعجبون، فأراد رب المثوى أن يجعل للسرور إلينا بالمباسطة سبيلا، فقال قد صرتم على من كان ينكر نومة عبود (11) دليلا، فقلت له إن القضاء لا بد منه في كل دين، ومنذ أيام لم تغتمض منا عين، ثم أدينا واجبات ربنا صفا، وتلك عادتنا دائمًا في أسفارنا لم نفارقها قط لا شتاء ولا صيفا، ثم والى علينا أبو الغيداق كرمه غدقا (12) فقلت له مداعبًا: قد عرفت الآن سبب كنيتك، وقلما يخطئ ذلك إن كيسا وإن حمقا (13)
(1) عربي فصيح كما يظهر من القاموس
(2) إيجاف الباب: إغلاقه للكلمة ذكر في الحديث . ويقال أجاف . وربما أوجف
(3) إبهار الليل انتصف وله أيضًا ذكر في حديث العشاء
(4) انشقت عيناه: انفتحتا
(5) الوطاء كسحاب وكتاب . ما يفترش . والغطاء ما يتغطى به
(6) المشربة بضم الراء وفتحها: الغرفة العليا وللكلمة ذكر في حديث الإيلاء
(7) طوال الدهر بالفتح: مداه . ولعله هنا مجاز
(8) أعتد: أحضر . وأطعمة اليد واليدين هذه العبارة من المقامات الحريرية وقد تناول صاحبنا من سماطها . ولا بأس بالتناول من سماط الكرماء
(9) من الصحو أي التي تزيل السهر والكلال
(10) الاندلاق: الخروج بسرعة كالسهم من القوس . ويستعمل أيضا لمطلق الخروج
(11) عبود كسفود: رجل نام كثيرا فضرب به المثل في طول النوم
(12) ماء غدق: منهمر
(13) الحمق هنا بضمتين . والأصل بالسكون وهو مأخوذ من قول الشاعر:
وإنما الشعر عقل المرء يعرضه *** على المسامع إن كيسًا وإن حمقًا
هكذا قال البيت أو كما قال . وأشار بالمعنى إلى قول من قال
وقلما أبصرت عيناك من رجل *** إلا ومعناه إن فتشت في لقبه