فهرس الكتاب
كان من أجود الناس خصوصًا بينه وبين الطلبة، فقد كان يقاسمهم كل ما في يده، وذلك في تلك الجبال قليل، وبدماثة أخلاقه وسهولة معاملته مع الطلبة يضرب المثل، وأما عبادته وتهجده وإقباله على ربه وخشوعه وبكاؤه أثناء تهجده منعزلا حتى يُسمع نشيج بكائه، فذاك مستفيض متواتر، ورحم الله تلميذه القاضي أحمد بن المصلوت الذي كان يتحدث بذلك دائمًا، وقد زار سيدي الحاج مسعود الوفقاوي سيدي أحمد بن المصلوت حين كان يقرأ هناك، فحضر دروس الأستاذ، وكأنه يراها في البحث والتدقيق، دون ما يعتاده من أمثال الألغيين، فلام سيدي أحمد على مكثه هناك، مع مثل هذه القراءة، فاستمهله سيدي أحمد إلى الليل فحين خلا الأستاذ في متهجده، يركع ويسجد وقد أبهارّ الليل على عادته استدعى الوفقاوي فقال له: استمع إلى ميزة الأستاذ التي لزمناه من أجلها فقد امتاز عمن ذكرتهم بالتحقيق بما امتاز به.
ومن زهده أنه لا يعتني بتأثيل الأملاك، إلا ما كان من دار احتاج إليها فبناها، رحمه الله ورضي عنه.
ومن أحواله أنه كان ملازما دائما للحفظ، فكان يحاول استظهاره عن ظهر قلب، مجموع الشيخ الأمير في الفقه المالكي، كما أنه نساخ يعدد نسخ الكتب التي عسى أن يحتاج إليها أولاده فيما كان يترجاه، كنسخ مجموع الأمير الخمسة، لأن عنده خمسة أولاد، ولكن لم يرث علمه منهم إلا سيدي الحاج الحسن وحده.
ومن أحواله أنه يفتي ويقضي في النوازل كثيرًا، وكان يعادل غالبًا الفقيه سيدي محمد بن عبد الله الكثيري المشهور في القضايا، فمتى اختلفا في نازلة، رفعت إلى العلامة سيدي الحاج عابد البوشواري وإلى أمثاله، وكان لا يغالي في أجرةه أحكامه، بل يقبل ما تيسر للورع الذي غلب عليه، رضي الله عنه. (88/8)