فهرس الكتاب
(145/8) وينصف غيره كما ينصف من نفسه، مع ميل منه إلى أن تكون يده هي العليا في كل شيء فقد أقبل على التدريس ما شاء الله حتى أحس بأنه محتاج إلى مستورد للرزق، فدخل التجارة من غير استنكاف، فقايض في أحد فنادق (الثلاثة فحول) في تجارة السكر، ثم سما له فكر آخرفي اتخاذ سيارة لنقل البضائع والركاب بالأاجرة، فخاض في ذلك بجد لا يعتاد إذ ذاك من أمثاله من الطلبة، وفي أثناء ذلك سافر سفرة إلى (السنيغال) في البحر، وأخرى في نواح أخرى ثم خوطب بولاية القضاء فأجاب هذه المرة بعد أن كان خوطب به قبل فاعتذر، فولي سنتين أو نحوها في (امزميز) فظهر منه هناك عفاف وعزوف وترفع عن أوساخ البراطيل شادت له بذكر عظيم، وشأن رفيع، وقد كان لي بأهل تلك الجهة اتصال، فكنت أسمع منهم الإجماع على نزاهته، وجل ما يمر بين يديه يفضه بين أربابه بصلح، فارتاح الناس بذلك من المصاريف الكثيرة في المحكمة وبذلك وحده يولمه بعض طلبة تلك القبيلة، يقولون إن الصلح لا يستدعى إليه القاضي إلا بين الأقارب وذوي الهيئات، أو إذا تشعبت المسألة وأشكل فيها الوجه، وأما ما سوى ذلك فإن القضاء مجعول لإعلان الحق لصاحبه لا للشفاعة إلى ذي الحق ليتنازل عن بعض حقه، هذا ما سمعته من بعض طلبة تلك الجهة، وهو متهم في قوله، لأن الأستاذ كان أوقفه فيمن أوقف من العدول هناك لإضرارهم بالناس، فالغالب أن قوله هذا إنما نشأ عما في صدره من الإحنة نحو القاضي، ومن حرمانه مع أمثاله مما يتوصلون به في القضايا إذا كانت تروج، وهم يلقنون الخصمين ما لا يعرفونه، على حين أن القاضي يأتي الخصمين من ناحية الدين والكرامة الشخصية، فيجس على وترهما فيقومان وقد تراضيا، وما القضاء في الحقيقة إلا مجلبة لرضا بين الخصمين، فهو المطلوب الأكبر، والغرض الأهم، ومتى كان القاضي يعرف في قضية أن ذلك هو الأولى فيها، فإن ذلك موكول إلى أمانته، وذلك على كل حال أعلى وأفضل من ترددهما إلى المحكمة شهورا