فهرس الكتاب
أقول إن المرتجم أوى إلى فاس كطالب غريب، فأقبل على الأخذ في العلوم التي لم يتقنها ، في سوس وقد اشتغل بخويصة نفسه وانعزل عن الناس، ولا يكاد يفارق بيته في الصفارين ليل نهار، إلا يوم الجمعة، وكان عابدا مطالعًا، مظنونا به كل خير، فيرد عليه المستطبون لأنه مشهور بالتطبب، والمسترقون، لأن رقاه تنجح، فقد كنت أختلف مع ثلة إلى بيته نأخذ عنه دروسًا في النحو بالألفية، فكنا نرى الداخلات والخارجات من خدم البيوتات الكبرى الفاسية، يترددن عليه للاسترقاء وفي أيديهن أوان يكتب لهن فيها ، ومن ذلك يأتيه رزق متسع، فيشتري الكتب المخطوطة حتى أنه ليزاحم الشيخ عبد الحي الكتاني فيها، فكان مولعًا بغرائب الكتب، حتى تكونت له مكتبة له متسعة يكدسها داخل بيته في أكياس، و كان يحب التوسع في النحو واللغة، فيطالع شروح التسهيل كابن عقيل والدماميني، وشروح الكفاية يوم كنا نأخذ عنه إلا أن لكنة شديدة في تأتاء غريبة تستولي عليه، حتى أننا لنرحمه إن كان يقرر مسألة لتوقف الكلام في لسانه، فلا يخرجه إلا بمشقة عظيمة، وحين جاء النظام كان أحد الأساتذة ولكنه لا يكاد يبين، فينفر منه الطلبة، مع محبتهم له، ومن طبيعته التحامل على الفاسيين حتى لا يكادوا يسلم لهم أي علم وما ذاك إلا لضيق صدره منهم ، ولكونه يتفوق في العربية على بعضهم ثم إنه ابتلي فتزوج فاسية، ففارق المدرسة فسكن في دار، إلا أنه طلق الزوجة، ولم يمكن أن يستقر مثله في الزواج، فبقي وحده، فيطبخ لنفسه على عادته في المدرسة قبل، وقد زرته في داره هذه 1362هـ فصلى بنا ظهرًا صلاة طويلة طويلة طويلة بخشوع وزيادة اطمئنان، مما يدل على ما في صدره من خشية الله، ولم يزر قط بلده مذ فارقه ، وحين توفي جاء أهله فاستلموا متاعه وكتبه، وربما باعوا بعضها، وللرجل سمعة طيبة في فاس ويظن به علم الجدول ، وقد كنت قرأت له رسالة كتبها إلى بعض أهله بعد احتلال الفرنسيين لفاس اقتبس منها كثيرًا من كلام