الصفحة 3638 من 9223

كان الأستاذ أوعبو من العلماء الذين يرفعون رؤوسهم، ويعلون جباههم، ولا تعلم هاماتهم انحناء، فهو إن أخذ عن سيدي سعيد الشريف الهين اللين، المنيب الذي لا يفارق قط إخباتا، ولا يعير لسوى ما هو بصدده التفاتا، فإنه لم يسلك مسلكه، ولا اقتفى خطواته في أحواله، وأخال أن الأوصاف التي شاهدها من بعض العلماء الحضريين الذين أخذ عنهم قد استهوته، فقد عرفنا عن أستاذه محمد بن إبراهيم السباعي، أنه جوال في كل ميدان، مقدام على كل أمر، سبوح في كل بحر، حتى زار المطبق مرارا لذلك، فلعل أوعبو استقى منه هذه الأخلاق، صادفت منه قابلية فتأصلت فيه جذورها، فكان مع إمعانه في التدريس، وقيامه على موالاة الأنصبة ، يكون من رجالات هشتوكة الذين يوردون ويصدرون أمور القبيلة ، فجمع بذلك بين مهمتين عظيمتين، مهمة القيام بحقوق الطلبة في جانب، ومهمة القيام بحقوق العامة في جانب آخر، وقد اعتاد أن يراجع الدروس التي يلقيها في يومه، ليستحضر كل ما لها وما عليها كما هو دأب المدرسين في الحواضر ، فكانت دراسته بذلك في العلوم التي يتعاطاها كالفقه والنحو فذة بين معاصريه السوسيين الذين قلما يفعلون هكذا، لأن غالبهم ما كان ليتقدم إلى درس فن للطلبة حتى يقتله معرفة، ويستشفه بحثا قبل ذلك، هذا ثم إنه مع حرصه على مجاذبات العوام الذين لا يفارقون (233/8)

(234/8) سلاحهم، ما كان يقارب السلاح، ولا يكون كما قاله مسلم بن الوليد في لاميته المشهورة.

تراه في الأمن في درع مضاعفة *** لا يأمن الدهر أن يوتى على عجل

بل ربما لا يشعر حتى يتبحبح معركة مسلحة وهو أعزل، فقد حضر مجتمعًا ثارت بعده حرب بين الهشتوكيين وابن دحان، فقال له مخلصون له: بادر على بغلتك، واسلك ناحية كذا لتنجو، ففعل ذلك فنجا، بعد ما كاد يقبض باليد، ومثله يجب أن يلبس لكل حالة لبوسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت