هذه هي المنشدات التي وجدتها مقيدة عنه في تلك الساعة، وقد تركنا منشدات أخرى بلا تقييد، وهذا كله إنما يأتي عفوا أثناء الحديث المستمر من الزوال إلى أن كانت الشمس على أطراف النخيل، فاستاذن الأستاذ في الذهاب، فخرجنا معه من الزاوية، حتى ودعناه مع ولدي أحمد (273/8)
(274/8) شوقي، فرجع هذا وهو يتعجب من تلك الذاكرة الغريبة، فقلت له: أرأيت كيف رجال البادية ؟ وكيف أدبهم الجم ؟ وكيف مجالستهم؟ فقال: يا ويحنا نحن الذين بلينا في الحضر بأشباه علماء، إذا جالست إلى بعضهم لا يوسعونك إلا زفرات متصنعة، وإمرار حبات سبح كأنها سبح العجائز حول التنانير ثم لا تستفيد منهم لا بحثا ولا إنشاد، ثم أجرى ذكر جلسة كان جالس فيها هو ورفقته أستاذنا عبد الله بن محمد الألغي في دار الأستاذ سيدي المدني حين زاروا (ألغ) في جمادى الأولى 1354هـ (1) ورأى كيف امتلأت بالأدبيات والأبحاث، فأسهب في ذكر ذلك، وقد أنحى على العلماء الذين يعرفهم في الحضر باللائمة، فقلت له: لا تتجاوز الحد لا في إطراء البدويين، ولا في التثريب على الحضرين ، ففي ضمن الكل ذهب وخزف، والذهب الإبريز على كل حال يقل في العلماء كما يقل في المناجم، ولهذا نحثكم دائما يا أبناء اليوم أن تجتهدوا، فإن المهمة الملقاة على كواهلكم مزدوجة فإنه يجب عليكم أن تتقنوا العلوم الموجودة المتداولة، وأن تضيفوا إليها علوما أخرى حرمتها الأجيال قبلكم، فمضى لنا وقت غير قصير حول هذا الموضوع، ثم في اليوم الرابع، من جمادى الثانية 1355هـ بعد أن سافر المترجم إلى بلده تلقيت منه هذه الرسالة:
(غصن الأدب الرطيب، ومربع الآمال الخصيب، من له من مقتنا أوفر نصيب من لا تزال السعادة تلحظه عيونها، وتتوارد عليه أبكارها وعونها، ثمرة خير شجرة، وشبل ذلك القسورة، وحق على ابن الصقر أن يشبه الصقرا، وأن يعلو على مساجله قدرًا، وأن يفخره فخرًا.
(1) 1 ) عن هذه السفرة صدرت رحلة من الحمراء الى إلغ.